أتمنى أن يكون ما أعلنه كوشنير من أن وجود أوروبيين لن ينجح في فتح معبر رفح لأن المصريين لا يريدوننا أن نتكلم مباشرة مع حماس ؛ هو محض افتراء على مصر و أن ترد القاهرة على هذا الادعاء الذي أتمنى مرة أخرى أن يكون محض افتراء و باطلا ، و لكن إن كان صحيحا فهذا مؤلم جدا ، بل و محزن ، و يترتب عليه سؤال : لماذا ؟ و إذا حاولت أن أتلمّس الجواب بمحاولة الاقتراب من عقل صاحب القرار المصري فأضع احتمالات ثلاثة:
الأول : إن صاحب القرار المصري لا يثق بقدرة حماس على إدارة المعبر.
الثاني : إن حماس لا تملك شرعية إدارة المعبر .
الثالث : إن حماس ستسبب ضررا بالغا بالأمن القومي المصري إذا أدارت المعبر .
و أرجو ألا يكون هناك رابع ، لأحاول الجواب على هذه الاحتمالات .
فأما الأول ؛ فالجواب إن حماس التي تدير قطاع غزة لأكثر من أربع سنوات رغم ما جوبهت به من انفلات أمني ، و نزع صلاحيات الحكومة و اضطرابات موظفي السلطة و خاصة في حقل التعليم و حقل الصحة ، و حبس الرواتب حتى افتعلت المظاهرات التي ترقص على أنغام ( وين الراتب ..فش ...فش ) و كان حتى أطفال الشوارع يعلمون بأن حبسها كان لأغراض سياسية مؤداها إرغام حماس على ترك مقعدها الذي أجلسها فيه الشعب الفلسطيني ، أو الاعتراف بـ(إسرائيل) بعد الإذعان لشروط الرباعية.
و حماس - التي وقف محمد دحلان متوعدا آمرا ناهيا في أشهر مشهد للعصيان العسكري لأجهزة السلطة و المدني ( الفتحاوي و أحلافه ) - مضت في تثبيت الأمن و لقمة العيش رغم أن مشيئة خارطة الطريق أرادت أن تذبل حماس حتى تسقط كورقة توت خريفية ، خاصة بعد أن نزعت صلاحيات وزير الداخلية كلها و أعطيت لجهاز الأمن الوقائي زعيم المعارضة من جانب و التنسيق الأمني من جانب آخر ، و رغم ذلك أدارت حماس قطاع غزة و صبرت على الجمر و السهام المسومة ، ثم كان ما كان ، و انتقلت أجهزة عباس إلى الضفة بعد حرب لم تخطط لها حماس و لم ترغب فيها ، ووجدت حماس نفسها في معمعان إدارة الصراع فوقفت على الجمر قابضة عليه ، و اضطرتها الضرورة إلى ركوب الصعب لتوفر اللقمة و الهدمة ، ووقف معها شعبها حتى غاص تحت الأرض ليوفر مستلزمات الحياة .. بينما ألف مؤامرة تحاك لاغتيال قادتها ، وإحداث حالة من العصيان المدني و أعمال الجاسوسية و الترويع ، فضلا عن نفاد محطات الوقود من الوقود و مخازن الصحة من قارورة الدواء حتى حبة الأسبرين ,, و لكنها مضت ...
حتى مضت ثلاث سنوات بالتمام و الكمال ، و لو مضت مثيلاتها على دول لانهارت ، فهل تعجز حماس عن إدارة المعبر؟! و الجواب ؛ لا بل تديره و ها هي تديره بكفاءة و اقتدار في كل يوم تسمح فيه مصر بفتحه .
أما الثاني فالجواب ؛ و ما الشرعية إذن ؟!
هل هي شرعية الاتفاقية التي أبرمها دحلان مع موفاز التي لا شك أنها سهلت و مع ذلك كانت أمنية ؛ فكل مطلوب للصهاينة محروم من السفر و كل مشبوه كذلك ، و إغلاقه أكثر من فتحه ؛ ناهيك عن حرد الأوروبيين المتكرر المذل ، و عشرات الكاميرات التي تراقب أنفاس المسافرين و ترسل بصورها إلى الموساد أو الشاباك ، إضافة إلى سياسة الجمارك التي أعطت الامتياز للصهاينة فسلبوا عوائدها بعد أن حبسوا ملايين الشواقل.
هذا غير التفتيش المهين الذي يصل أحيانا إلى إجبار المضطرين إلى خلع ملابسهم بالكامل ، و من جانب آخر تفشي الفساد من رشوة و محسوبية و لصوصية و تأخير أصحاب الحق و تقديم الأصحاب و الأحباب و ذوي القربى ، حتى أصبح كل ذلك سياسة أو ظاهرة ، و هو ما قضت عليه حماس في الغالب الأعم ، و إن كان هناك من فروقات أو مخالفات فمما يقع حتى في المطارات و المعابر الدولية و في دول العالم الأول و الثاني ناهيك عن الثالث .. فما الشرعية إذن ؟؟! فازت حماس في انتخابات حرة و نزيهة و هذا من شأنه أن يعطيها امتياز إدارة المؤسسات الفلسطينية أو المشاركة في إدارتها و هذا مالا تمانع فيه حماس اليوم !! إذن فلماذا ترفض مصر أن يتحدث الأوروبيون مع حماس مباشرة على المعبر حسب زعم كوشنير ؟!
الاحتمال الثالث ؛ فالجواب ؟ لتطمئن مصر ، فلن تضر حماس بأمنها القومي ، بل الذي يضر به هو المشروع الصهيوني التخريبي الإجرامي في المنطقة ، و هذا ما يدركه أي مواطن مصري من شاطئ الإسكندرية حتى حلايب ... كما يدركه ابن السلوم و ابن العريش ؛ و لذا فإن هذا الشعب المصري البطل لم يطبع مع الإسرائيليين قط و لا يزال ينظر إليهم على أنهم أعداء ، و لعل ما حكم به القضاء المصري النزيه بإسقاط الجنسية عمن تزوج بإسرائيلية آخر دليل على ذلك ، بينما قطاع غزة هو امتداد طبيعي للأمة العربية و في مقدمتها الشعب المصري ، وأن شعب فلسطين يحفظ لأبنائه تضحياتهم و دمائهم الزكية و أرواح شهدائهم الأبرار ، فلا يتصور أن يكون أهل غزة خطراً على أمن مصر القومي بهذا التاريخ و التلاحم و المصير المشترك، فضلا عن أن مصر هي رئة غزة فمن المستحيل أن تثقبها و إلا فقد انتحرت ، ولا يتصور من فلسطيني أن يرضى عن وطنه ...كل وطنه بديلا أبدا أبدا ...
هي حقائق التاريخ و الجغرافيا ..و إذا كان هناك من يفسد الود فعلى مصر العزيزة أن تتذكر أن غزة تستحق الحياة و لن ترضى غزة من مصر بغير ذلك ، فهذا هو منطق التاريخ الذي لا محيد عنه .


