الثلاثاء 03 فبراير 2026 الساعة 12:16 م

مقالات وآراء

حوار هادئ مع مصر العزيزة

حجم الخط

أتمنى أن يكون ما أعلنه كوشنير من أن وجود أوروبيين لن ينجح في فتح معبر رفح لأن المصريين لا يريدوننا أن نتكلم مباشرة مع حماس ؛ هو محض افتراء على مصر و أن ترد القاهرة على هذا الادعاء الذي أتمنى مرة أخرى أن يكون محض افتراء و باطلا ، و لكن إن كان صحيحا فهذا مؤلم جدا ، بل و محزن ، و يترتب عليه سؤال : لماذا ؟ و إذا حاولت أن أتلمّس الجواب بمحاولة الاقتراب من عقل صاحب القرار المصري فأضع احتمالات ثلاثة:

 

الأول : إن صاحب القرار المصري لا يثق بقدرة حماس على إدارة المعبر.

الثاني : إن حماس لا تملك شرعية إدارة المعبر .

الثالث : إن حماس ستسبب ضررا بالغا بالأمن القومي المصري إذا أدارت المعبر .

و أرجو ألا يكون هناك رابع ، لأحاول الجواب على هذه الاحتمالات .

 

فأما الأول ؛ فالجواب إن حماس التي تدير قطاع غزة لأكثر من أربع سنوات رغم ما جوبهت به من انفلات أمني ، و نزع صلاحيات الحكومة و اضطرابات موظفي السلطة و خاصة في حقل التعليم و حقل الصحة ، و حبس الرواتب حتى افتعلت المظاهرات التي ترقص على أنغام ( وين الراتب ..فش ...فش ) و كان حتى أطفال الشوارع يعلمون بأن حبسها كان لأغراض سياسية مؤداها إرغام حماس على ترك مقعدها الذي أجلسها فيه الشعب الفلسطيني ، أو الاعتراف بـ(إسرائيل) بعد الإذعان لشروط الرباعية.

 

و حماس - التي وقف محمد دحلان متوعدا آمرا ناهيا في أشهر مشهد للعصيان العسكري لأجهزة السلطة و المدني ( الفتحاوي و أحلافه ) - مضت في تثبيت الأمن و لقمة العيش رغم أن مشيئة خارطة الطريق أرادت أن تذبل حماس حتى تسقط كورقة توت خريفية ، خاصة بعد أن نزعت صلاحيات وزير الداخلية كلها و أعطيت لجهاز الأمن الوقائي زعيم المعارضة من جانب و التنسيق الأمني من جانب آخر ، و رغم ذلك أدارت حماس قطاع غزة و صبرت على الجمر و السهام المسومة ، ثم كان ما كان ، و انتقلت أجهزة عباس إلى الضفة بعد حرب لم تخطط لها حماس و لم ترغب فيها ، ووجدت حماس نفسها في معمعان إدارة الصراع فوقفت على الجمر قابضة عليه ، و اضطرتها الضرورة إلى ركوب الصعب لتوفر اللقمة و الهدمة ، ووقف معها شعبها حتى غاص تحت الأرض ليوفر مستلزمات الحياة .. بينما ألف مؤامرة تحاك لاغتيال قادتها ، وإحداث حالة من العصيان المدني و أعمال الجاسوسية و الترويع ، فضلا عن نفاد محطات الوقود من الوقود و مخازن الصحة من قارورة الدواء حتى حبة الأسبرين ,, و لكنها مضت ...

 

حتى مضت ثلاث سنوات بالتمام و الكمال ، و لو مضت مثيلاتها على دول لانهارت ، فهل تعجز حماس عن إدارة المعبر؟! و الجواب ؛ لا بل تديره و ها هي تديره بكفاءة و اقتدار في كل يوم تسمح فيه مصر بفتحه .

 

أما الثاني فالجواب ؛ و ما الشرعية إذن ؟!

هل هي شرعية الاتفاقية التي أبرمها دحلان مع موفاز التي لا شك أنها سهلت و مع ذلك كانت أمنية ؛ فكل مطلوب للصهاينة محروم من السفر و كل مشبوه كذلك ، و إغلاقه أكثر من فتحه ؛ ناهيك عن حرد الأوروبيين المتكرر المذل ، و عشرات الكاميرات التي تراقب أنفاس المسافرين و ترسل بصورها إلى الموساد أو الشاباك ، إضافة إلى سياسة الجمارك التي أعطت الامتياز للصهاينة فسلبوا عوائدها بعد أن حبسوا ملايين الشواقل.

 

هذا غير التفتيش المهين الذي يصل أحيانا إلى إجبار المضطرين إلى خلع ملابسهم بالكامل ، و من جانب آخر تفشي الفساد من رشوة و محسوبية و لصوصية و تأخير أصحاب الحق و تقديم الأصحاب و الأحباب و ذوي القربى ، حتى أصبح كل ذلك سياسة أو ظاهرة ، و هو ما قضت عليه حماس في الغالب الأعم ، و إن كان هناك من فروقات أو مخالفات فمما يقع حتى في المطارات و المعابر الدولية و في دول العالم الأول و الثاني ناهيك عن الثالث .. فما الشرعية إذن ؟؟! فازت حماس في انتخابات حرة و نزيهة و هذا من شأنه أن يعطيها امتياز إدارة المؤسسات الفلسطينية أو المشاركة في إدارتها و هذا مالا تمانع فيه حماس اليوم !! إذن فلماذا ترفض مصر أن يتحدث الأوروبيون مع حماس مباشرة على المعبر حسب زعم كوشنير ؟!

 

الاحتمال الثالث ؛ فالجواب ؟ لتطمئن مصر ، فلن تضر حماس بأمنها القومي ، بل الذي يضر به هو المشروع الصهيوني التخريبي الإجرامي في المنطقة ، و هذا ما يدركه أي مواطن مصري من شاطئ الإسكندرية حتى حلايب ... كما يدركه ابن السلوم و ابن العريش ؛ و لذا فإن هذا الشعب المصري البطل لم يطبع مع الإسرائيليين قط و لا يزال ينظر إليهم على أنهم أعداء ، و لعل ما حكم به القضاء المصري النزيه بإسقاط الجنسية عمن تزوج بإسرائيلية آخر دليل على ذلك ، بينما قطاع غزة هو امتداد طبيعي للأمة العربية و في مقدمتها الشعب المصري ، وأن شعب فلسطين يحفظ لأبنائه تضحياتهم و دمائهم الزكية و أرواح شهدائهم الأبرار ، فلا يتصور أن يكون أهل غزة خطراً على أمن مصر القومي بهذا التاريخ و التلاحم و المصير المشترك، فضلا عن أن مصر هي رئة غزة فمن المستحيل أن تثقبها و إلا فقد انتحرت ، ولا يتصور من فلسطيني أن يرضى عن وطنه ...كل وطنه بديلا أبدا أبدا ...

 

هي حقائق التاريخ و الجغرافيا ..و إذا كان هناك من يفسد الود فعلى مصر العزيزة أن تتذكر أن غزة تستحق الحياة و لن ترضى غزة من مصر بغير ذلك ، فهذا هو منطق التاريخ الذي لا محيد عنه .