يظل الفلسطيني محكوما للمزاج العربي، وإذا ما حاول أن يكون له مزاج خاص عوقب بالطرد من الدولة ( ذات العلاقة ) أو منع من دخولها ، أو الإنذار النهائي هذا في أحسن الأحوال ، بعد سلسلة من الاستدعاءات ، واللطع على أبواب مكاتب رجال الأمن ، المصحوبة دائما بنظرات الإدانة أو الاستخفاف أو الاحتقار ، حتى وإن كان من أكفأ العاملين ، ويحمل أرفع الدرجات ، وكلما لط الكوز في الجرة.
فإن الفلسطيني هو الذي أحدث ( اللط ) ناهيك عن أنه وأولاده محرومون من كثير من الحقوق؛ كالتعليم الحكومي بمراحله ،والتأمين الصحي ، وأحيانا من سياقة السيارة، على درجات من التفاوت بين دولة وأخرى ، والويل كل الويل لمن قال ( بم ) فيما يخص السياسة الداخلية أو الخارجية، أو تعرض للذات الملكية أو الرئاسية ، أو الأميرية ، فلا تكفي كل شموس الدنيا أن تبخره في سعيرها فيضطر لأن يبلع لسانه إذا ما فكر أن يتكلم ، وأن يصم أذنيه إذا ما فكر أن يسمع .
وأن ( يبعز ) عينه إذا ما فكر أن يرى .. يفقد إقامته بركلة، وتصادر أمواله ولو كانت بالملايين ، فيلقى على الحدود هو وأولاده وأولاد أولاده وأولادهم .. فإنه ملاحق ، ومحاصر ، ومهان ، هو عبء في كل الأحوال، عبء حتى على نفسه .. في الوقت الذي تطيل له الإذاعات ، والفضائيات ، ويحتل أول بند في البيان رقم ( 1) عندما يسقط الثوار النظام ( البائد ) وتحرير فلسطين هي استراتيجية ميكروفونات قادة الثورة ، لتلتهب الأكف بالتصفيق ، وإن هي إلا سنة أو ضحاها، حتى يتحسر الفلسطيني على النظام البائد، لما يلاقيه على أيدي الثوار ، مرددا :
دعوت على عمرو فمات فسرني فعاشرت أقواما فبكيت على عمرو
وإذا نبشنا في ذاكرتنا؛ نجد أن ما عجنت بعض الأنظمة من لحوم الفلسطينيين يفوق مرات ما قتل منهم الصهاينة ، هي العلاقة الجدلية ما بين الوثيقة وجواز السفر ( العربي ) !! مع العلم أن الوتيرة ليست على نسق واحد ، ولكن هناك قاسم مشترك بين الجميع ، قد يقل حينا وقد يزداد أحيانا ، مما يقتضي التنويه ، فبعض الدول يتمتع فيها الفلسطينيون بحرية نسبية إلا الحقوق السياسية ، وإن تحقق له شيء منها ، ففيما يخصه أن يرضى عنه النظام ، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ( أندر كونترول ) في كل كلمة وهمسة ، وبالتالي فقد أمعن بعض الفلسطينيين في النفاق ، و لزومياته أو التماهي مع النظام ( ورجالاته ) الأمر الذي أصابه (بشيزوفرنيا) في فكره ومعتقده من جانب ،وسلوكه ومعاملاته من جانب آخر ، وأما الغالبية العظمى فارتضوا أن يعيشوا على هامش الحياة.
عطل حواسه عما لا يعجبه ( من النظام ) يعيش ليأكل ويلبس ويدفع في آخر الشهر ما عليه من أقساط ، وإذا ما سأله سائل عما يجري قال : خلينا انعيش ونربي هالأولاد ، ومما يثير العجب أحيانا أن بعض الفلسطينيين صاروا - حيث هم - ملكيين أكثر من الملك ، فيمجدون الحاكم أكثر مما يمجده مواطنوه.
ويبدون له من الولاء والحب حتى الهيمان، ما يثير الغيرة عليه في قلوب أولاده وزوجته ، ثم يخرج علينا أولئك بأوداج منفوخة، وعيون حمراء، وجعير يصم الوجدان، بادعاءات لا رصيد لها، وبلا مضمون وعارية عن الصحة تزعم استقلالية القرار الفلسطيني الثوري حينا، والأشد ثورية أحيانا كثيرة وكثيرة جدا ، حتى وصل الأمر إلى ادعاء أن حرية الرأي والكلمة والديمقراطية الفلسطينية ليس لها نظير في الكون، بل هنا واحة الديمقراطية، في الوقت الذي لا يملك فيه أن يختار الذي يرضاه ويؤمن به، إذا خالف رأي ( الزعيم ) المضيف ، فيبلعه حتى وإن عافته نفسه عملا بالحكمة ( حبيبك ببلع لك الزلط وعدوك يتمنى لك الغلط ) والمضحك المبكي أن القرار العربي بمجمله ليس بأحسن حالا من القرار الفلسطيني ، فإذا كان القرار الفلسطيني مرهونا برضا عواصم العرب ( حيث كان الفلسطيني ) فإن القرار بمجمله العربي مرهون برضا عاصمة اسمها (واشنطن) وإدارة اسمها إدارة (البيت الأبيض) ، المرهونين بالتبع إلى عاصمة اسمها (تل أبيب) ، وحكومة اسمها الحكومة الإسرائيلية ، مما يضطره إلى الهجرة في كل المواسم ( مع الاعتذار إلى الأديب السوداني : الطيب صالح ) حتى في كسر الحصار على غزة، فيقرر صناع السياسة العربية تهجيره إلى مجلس الأمن ،أي إلى الإدارة الأمريكية أي إلى (إسرائيل) ، عملا بقول شاعرنا :
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
ففي الوقت الذي تقطع فيه نيكاراغوا علاقاتها مع (إسرائيل) ،وهي ليست غزة ،وليست عربية، كما توشك أن تتخذ الإكوادور الموقف ذاته ، وليس بينها وبين (إسرائيل) إلا ما أغضبها منها لحصارها على غزة .
وفي الوقت الذي يصف (شافيز) إسرائيل (بالملعونة) ، إلى جانب هذا الموقف البطولي المبهر لأردوغان وأوغلو والبرلمان التركي بكل أحزابه، والشعب التركي بكل ألوان طيفه، لا يرضون بها حكما لكذبها وعدوانيتها وخستها وسفالتها وانحطاطها وحقارتها وهشاشتها وجبنها .. وألف أواه عليك يا غزة ..
ثم الأدهى أن عباس ... عباس ... عباس يظل هائما في الدهاليز الخلفية ، يطلب من جورج ميتشيل أن يفك الحصار على غزة ، ويخطب ودها ليصالحها، وينعت (إسرائيل) بإرهاب الدولة كل هذا أمام الكاميرا ، وإلى الدهليز يوفد مدير مخابراته اللواء ( ماجد فرج ) للقاء رئيس الشاباك ( يوفال ديسكين ) حاملا إليه طلباً من عباس إلى ( الحكومة الإسرائيلية بعدم السماح للقافلة البحرية بالوصول إلى غزة، لأن ذلك يعني أن حركة حماس بدأت تكسب الشرعية الدولية ، وأن حكومتها ستكون الحكومة الشرعية للشعب الفلسطيني ،وهذا من شأنه أن يقوض السلطة ) حسب ( فلسطين الآن ) وأخشى أن يكون هذا هو ما دعا العرب إلى عدم تناول مفاوضات عباس غير المباشرة، ولا المبادرة العربية، حتى وإن أوصى برلمان الكويت حكومته بالانسحاب منها .


