الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:46 م

مقالات وآراء

ماذا أبقى عرفات من الميثاق؟

حجم الخط

إن الجواب سيكون – بالقطع- لقد أبقى عرفات على كل ما رضي عنه الجانب الصهيوني أن يبقى ، وبالتأكيد فإن ما أبقاه هو كل ما لا يتعارض مع استحقاقات الجلوس ، مجرد الجلوس على مائدة التفاوض ، فلن يرضى الصهاينة أن يجلسوا مع إرهابي حتى ينبذ الإرهاب ، ولا مع مقاوم حتى ينبذ المقاومة ويلاحقها، ولن يجلسوا مع من ( يظن ) أن فلسطين له ، ولن يجلسوا مع طالب حرية ، أو كرامة ، أو دولة ؛ لذا فقد محوا من الميثاق كل شيء يشير إلى هذه المعاني بالنص أو بالإشارة.

 

لذا أبقوا على المادة الثامنة والعشرين وجاء فيها ( يؤكد الشعب العربي الفلسطيني أصالة ثورته الوطنية، واستقلاليتها ، ويرفض كل أنواع التدخل والوصاية والتبعية ), ولقد تحدثت عنها في الحلقة الثامنة عشرة ، ثم أبقى على المادة الحادية والثلاثين ( يكون لهذه المنظمة عَلَمٌ وقَسَمٌ ونشيد ، ويقرر ذلك كله بموجب نظام خاص ) وهنا يقول الصهيوني: وليكن ؛ ولا بأس أيضا من بساط أحمر وحرس شرف ، وياوران.... فلا علاقة – لكل ذلك – بالمقاومة ، خاصة وأنهم أبقوا على ما هو أهم وهو الاسم ( منظمة التحرير الفلسطينية).

 

ثم أبقوا على المادة الثانية والثلاثين ( يلحق بهذا الميثاق نظام يعرف بالنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، تحدد فيه كيفية تشكيل المنظمة، وهيئاتها، ومؤسساتها ، واختصاصات كل منها ، وجميع ما تقتضيه الواجبات الملقاة عليها، بموجب هذا الميثاق).

 

ثم المادة الثالثة والثلاثين ( لا يعدل هذا الميثاق إلا بأكثرية ثلثي مجموع المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، في جلسة خاصة يدعى إليها من أجل هذا الغرض ) وفعلا ... حصل الإلغاء ، وقد أصدر المجلس ما نصه ( غزة، 14/12/1998 , صادق أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في غزة على إلغاء مواد الميثاق الوطني التي تدعو إلى القضاء على دولة إسرائيل ( هكذا ) , وتعديل بعضها الآخر التزاما لاتفاق واي بلانتيشن والمواد الملغاة هي: (1-23) و (25،30،29،27،26) وصادق عليها المجلس الوطني، بحضور الرئيس الأمريكي كلينتون (هكذا )).

 

لقد أقدم عرفات بهمة عالية، يحدوه الأمل أن تمنحه أمريكا و(إسرائيل) دولة قابلة للحياة ، وبذا دخل في تاريخ القضية مصطلح ( حل الدولتين ) ، وذهب عرفات إلى بعيد ؛ فقد أنهى كل شكل من أشكال المقاومة المسلحة لفصائل م. ت. ف خاصة الفصيل الثاني من فصائلها (الجبهة الشعبية) ، فلقد حضر ممثلوها وشهدوا تنفيذ حكم الإعدام في الميثاق ، وصفقوا مع من صفق لكلينتون ، وكذا بقية الفصائل – من ميكرو التنظيمات – التي تدور في فلك فتح ، نظير ما يعطيها عرفات من مال ( لزوم المظاهر والنثريات ) ثم التفت إلى التي عُرفت بالخارجة عن م. ت. ف وخاصة (حماس) ، فقد شن عليها ( غزوة ) بلغت من الشراسة؛ أن أكلت سياطه من لحوم مجاهديها ، وهشمت هراواته عظام بعضهم ، حتى بلغ ( بزبانيته ) أن خلعوا لحي بعض الدعاة بالكماشات ، بدعوى أن حماس قد أعدت مخططا لاغتياله ، وأخذ يردد ذلك في كل مناسبة، وفي غير مناسبة ، ويعرض على زائريه صاروخ ( لاو )؛ الذي أعدته حماس( حسب اعتقاده ) لقصف مكتبه وقتله.

 

وانطلق أحد عشر جهازا في سباق محموم ،لاعتقال أفراد حماس وشيوخها ، وكانت محنة كبيرة تلك التي مرت بها حماس سنة 1996 ، بلغت حدا فاق ما لاقاه بعضهم في سجون الاحتلال ، وكان صاحب الكأس المعلى في تلك الغزوة وقائدها ( محمد دحلان ) وثمانية آخرون من رهط الأجهزة، بينما اليهود في بحبوحة من أمرهم ( وسلام ) لم يحلموا به يوما، وهم الذين يعيشون بالخوف؛ به ينامون، وعليه يفيقون ، خاصة بعد بزوغ نجم يحيى عياش، ثم استشهاده ، لقد نجح (محمد دحلان) فيما فشلت فيه أجهزة الصهاينة منذ أن نشأ الكيان.

 

ولم تمض إلا سنوات ست ( 11/11/2004) حتى فاضت روح عرفات ، لقد مات مقهورا مخذولا ، امتدت إليه أيدي الخونة والمتآمرين من الطامحين لاقتسام إرثه ، بعد أن شنق صفحات هامة من تاريخ الثورة الفلسطينية ، لأنها تضمنت شيئا كان اسمه ( الميثاق ) .