الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 01:49 م

مقالات وآراء

أحمد منصور

مذيع في قناة الجزيرة القطرية
عدد مقالات الكاتب [291 ]

الدول العربية والحرب على الإرهاب

حجم الخط

كشف معرض ومعدات قوات العمليات الخاصة "سوفكس 2010" الذي افتتح في العاصمة الأردنية عمان في الأسبوع الماضي، وسبقه مؤتمر أمني ضم العشرات من وزراء الدفاع، ورؤساء الأركان، وكبار ضباط العمليات الخاصة في كثير من دول العالم، عن الحرب الحقيقية التي تخوضها معظم الدول العربية خلال هذه المرحلة، فمنذ العام 1973 وهي الحرب التي شاركت فيها جيوش عدة دول عربية بوحدات رمزية مع الجيش المصري خلال حرب أكتوبر، لم تقم معظم الجيوش العربية أو كلها بحروب تقليدية ضد العدو الحقيقي للعرب وهو "إسرائيل"، وأشهر حربين لم تحقق فيهما "إسرائيل" أهدافها -ويرى كثيرون أنها هزمت معنويا واستراتيجيا فيهما- كانت حرب "إسرائيل" ضد حزب الله في لبنان عام 2006، وحربها ضد حركة حماس أو ضد قطاع غزة خلال شهري ديسمبر ويناير من العام 2008 و2009، ولهذا فقد كشف معرض سوفكس عن جانب هام من صناعة الحروب الجديدة في المنطقة، وفي أماكن كثيرة من دول العالم وهو الحروب التي تشنها الجيوش و القوات الخاصة ومكافحة الشغب والأمن ضد كل من تسول له نفس الاقتراب من الحكام أو الحكومات، وتهديد أمنها حتى لو بالتظاهر أو الاحتجاجات الصامتة.

 

المعرض الذي يعتبر أكبر معرض متخصص في مجال العمليات الخاصة والأمن القومي على مستوي المنطقة والعالم، والذي افتتحه يوم الثلاثاء الماضي 11 مايو ملك الأردن، وبمشاركة الرئيس اليمني على عبد الله صالح، وعشرات من وزراء الدفاع، ورؤساء أركان الجيوش، والجنرالات المتخصصين في العمليات الخاصة، كشف عن أن الحرب الحقيقية التي تخوضها الحكومات أصبحت ضد من يسمون بالإرهابيين، وهؤلاء الإرهابيين ليسوا سوى بعض أبناء هذه الأوطان ممن عجزت الحكومات عن استيعابهم في منظومتها، أو رفضت ذلك، أو هي التي صنعتهم ثم قررت التخلص منهم بعدما خرجوا عن الإطار والدور الذي صنعوا من أجله، فخرجوا عليها بشكل أو بآخر، وأصبحوا مع توسع مفهموم الإرهاب وضبابيته يطلق عليهم أنهم إرهابيون، وإذا كانت بعض الحكومات تعتبر كل من حمل السلاح ضدها إرهابيا، وهذا هو الشائع، فإن حكومات أخرى تعتبر كل من يخالفها الرأي إرهابيا، وكل من يطالب بحقه في الحياة الحرة الكريمة إرهابيا، وكل من يطالب بالقضاء على الفساد وتحقيق العدل في المجتمع إرهابيا، وقد أصبح الخيار السهل لدى معظم هذه الحكومات هو خيار الحرب، ليس ضد "إسرائيل" العدو المتربص بالأمة، ولكن ضد من يهدد الكراسي والحكام الذين يجلسون عليها دون أي لجوء للخيار الأسهل، وهو خيار الحوار مع هؤلاء، وتحقيق العدل والقضاء على المحسوبية والفساد والفقر، وكل الأسباب التي تدفع هؤلاء للخروج على أنظمة الحكم والاندفاع نحو طريق خاطئ لتصحيح الأوضاع القائمة الخاطئة أيضا، لذلك فقد فوجئت ببعض التقارير التي تتحدث عن أن ما يقرب من 60% من الأسلحة التي تستوردها معظم الدول العربية هي أسلحة لمكافحة ما يسمى بالإرهاب، منها عربات مدرعة، وأسلحة أوتوماتيكية متطورة، وطائرات هيلكوبتر، وسيارات نقل جنود، وغيرها، أي أنها في النهاية موجهة للداخل وليس إلى الخارج، للشعوب وليس للأعداء، ومن ثم كان الاهتمام بمعرض سوفكس من قبل الحكومات العربية اهتماما عالي المستوى، كذلك تفنن العارضون الذين شاركوا في المعرض والذين يزيدون عن ثلاثمئة وخمسين شركة في عرض أحدث ما لديهم من معدات وأجهزة لقمع كل من تسول له نفسه القيام بأي عمل يهدد أمن الحكومات والحكام، وكان واضحا أن اهتمام الشركات المنتجة لهذه الأسلحة والمعدات لم يعد قاصرا على الدول الغربية المتقدمة، وإنما قدمت العروض من 83 دولة، مما يعني أننا أمام تجارة رفيعة المستوى يجني القائمون من ورائها المليارات، ليس فقط في اختراع الأسلحة والمعدات، وإنما حتى في التدريب، حيث عرضت كثير من الدول ومن بينها الأردن دورات تدريبية عالية الكفاءة لمكافحة الإرهاب، وأعلنت الأردن أنها قامت بتدريب قوات عراقية وأفغانية، وأنها على استعداد لتدريب قوات أخرى، وليس خفيا أن مجال التدريب على العمليات الخاصة يشكل دخلا ماليا هائلا لكثير من الدول التي تقوم على احترافه في ظل التهديد الأمني الداخلي الذي أصبح شائعا خلال السنوات الأخيرة.

 

لقد أصبحت ميزانيات كثير من الحكومات العربية فيما يتعلق بالأمن الداخلي للأنظمة تفوق كل التوقعات، وكثير منها ميزانيات سرية تقتطع من أرزاق الشعوب حتى تقمع بها الشعوب، وأصبحت الشعوب الغاضبة من سياسة ونهج كثير من الحكومات هي العدو الأساسي الذي يتعرض للقمع، وأصبحت صناعة الحرب على الإرهاب صناعة رائجة تدر دخلا بعشرات المليارات على الذين يحترفونها، سواء كانوا من صانعي الأسلحة والأدوات أو مروجيها أو المدربين عليها، وفي النهاية فإن الشعوب تدفع كل شيء، بدءا من السلاح الذي تقمع به، وحتى راتب الجندي الذي يقمعها، ولو تم توجيه جزء يسير من هذه الأموال إلى مجالات التنمية والقضاء على الأمية.