الثلاثاء 20 يناير 2026 الساعة 09:22 م

مقالات وآراء

المشاركة أم الاعتزال

حجم الخط

تسجل لنا سورة المائدة مشهداً ذا دلالات رمزية عميقة، إنه مشهد فريقين من بني إسرائيل في زمن موسى عليه الصلاة والسلام حين طلب منهم دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فأما الفريق الأول وهم الأكثرون فكان موقفهم الإحجام والارتداد والجبن عن المواجهة والقعود في انتظار المخلص من السماء: "قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فإنا داخلون".

 

وأما الفريق الثاني وهم القلة القليلة الذين كان يمثلهم رجلان فقد فهموا سنن الله بأن النصر لا يوهب للقاعدين، وأن للغلبة ثمناً يجب أن يدفع بالنفير والمزاحمة وخوض المعمعة: "قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون"..

 

إن الفريق الأول يمثل حال الضعفاء والمهزومين نفسياً الذين لا يثقون في قدرتهم على المواجهة وتحقيق الانتصار، إنهم يخشون من المزاحمة حتى لا يفتضح جبنهم، فيعتزلون الميدان ويتجنبون المخالطة ويقعدون في بيوتهم في انتظار أن يقاتل الله بالنيابة عنهم "اذهب أنت وربك فقاتلا" وأن يهديهم النصر على طبق من ذهب، أو أن تخلو لهم الساحة ليحسموا المعركة دون خصم ولا قتال "فإن يخرجوا منها فإنا داخلون"، ومثل هؤلاء سيطول انتظارهم ولن تتحقق أمانيهم، لأن كلمة الله قد سبقت بأن طريق النصر هو النفير والجهاد وبذل التضحيات.

 

أما الفريق الثاني فهو الذي سلك سبيل الفوز، وهو الفريق الذي ستكون له العاقبة رغم قلة عدده "لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث".

 

والحق ينتصر ذاتياً كما أن الباطل يزهق ذاتياً لأنه يحمل بذور الفناء داخله، "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً".

 

كل ما يحتاجه الحق للقضاء على الباطل هو أن يدخل باب المواجهة "ادخلوا عليهم الباب" ويزاحم الباطل ولا يسمح له بالتفرد في الساحة، لأن الباطل لا ينتصر إلا في غياب الحق، فإذا جاء الحق ظهر بطلان الباطل وافتضح أمره "فبهت الذي كفر"، "وخسر هنالك المبطلون". 

 

إن هذا المشهد القرآني لا يمثل مناسبةً خاصةً ببني إسرائيل حدثت وانتهت، ونحن مطالبون في تعاملنا مع القرآن أن نطلق النصوص من خصوص السبب إلى عموم المعنى، وهذه الآيات التي بين أيدينا تحمل رموزاً عميقةً تتناول النفس البشرية محررة الارتباط عن خصوصية المكان والزمان، ففي كل عصر هناك فريق الارتداد والقعود والفرار من المواجهة، وتحدث القرآن عن جبن المنافقين الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم".

 

والقتال الذي يرتعب منه هؤلاء هو رمز إلى الحالة القصوى من الاشتباك والالتحام ودونه أوجه عديدة من الاشتباك النفسي بالفكر والكلمة.

 

في هذا الزمان وفي ظل الصدمة الحضارية التي تعيشها الأمة الإسلامية، يظهر فريق الاعتزال بالدعوة إلى إغلاق الباب أمام الهجوم الحضاري للآخر وسد الآذان واستغشاء الثياب، مخافة الافتتان، وهذه الدعوات ليست إلا دليل ضعف وخوف من المواجهة، لأن الدعوات لا تنتشر إلا بالمشاركة والمدافعة ودخول الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون بما تملكونه من حق.

 

 إننا بحاجة إلى فلسفة المشاركة ودخول الباب في كل الميادين، حتى لا تترك الساحة خاليةً لأصحاب الضلال والفساد. مثلاً في السياسة نحتاج إلى دخول الباب والمزاحمة بإنشاء الأحزاب وطرح البرامج الإصلاحية وخوض الانتخابات ودخول البرلمانات والحكومات وذلك لإبطال سحر الطغاة، وزلزلة أركان عروشهم، وحرمانهم من حالة الهدوء والاستقرار.

 

 وفي الإعلام نحن بحاجة إلى دخول الباب على فضائيات الرذيلة والفساد ومزاحمتها بفضائيات تروج للأخلاق والفضيلة وتستنهض طاقات الأمة وتبصرها بقضاياها الحقيقية، وكم هو مؤلم حين نتأمل واقع الدراما العربية فنجدها موطناً للرذيلة والفساد والانحلال الأخلاقي إلا ما رحم ربك، وكأنه لم يعد هناك ما يستحق الطرح سوى العهر والمجون..ويتساءل المرء بمرارة أين المخلصون ليدخلوا عليهم باب الدراما وينتجوا أعمالاً فنيةً تعزز الأخلاق والقيم الإيجابية بأسلوب شيق محبب إلى النفوس.

 

على المستوى الحضاري فإننا كأمة صاحبة رسالة مطالبون بأن ندخل باب العصر على الأمم المتقدمة فنستوعب آخر منجزاتهم في العلوم والابتكارات وبعد أن نهضمها نضيف إليها ونغلبهم. ذلك خير من أن نظل منغلقين على أنفسنا، معتاشين على أحلام الماضي

 

إن عدم دخول الباب والارتداد على الأدبار لن ينتج إلا مزيداً من التراجع والابتعاد عن رسالتنا الحضارية والدعوية وسيعزز واقع الضلال والفساد، فالتدافع هو سنة الله عبر التاريخ "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"، والسبيل إلى انتصار دعاة الخير على دعاة الشر هو المدافعة في الميدان ، وفي الحديث الشريف فإن من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.

 

في مواجهة موسى عليه السلام للسحرة أمام فرعون أوحى الله إليه قائلاً: "وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى"

 

إن دخول موسى ميدان المواجهة والمشاركة بإلقاء عصاه هو الذي أبطل سحر السحرة وكشف زيف ادعائهم.

 

"وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين"..

 

والله أعلى وأعلم...