الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 06:12 ص

مقالات وآراء

ويسألونك عن الميثاق..كنت هناك

حجم الخط

بقلم: د.عطا الله أبو السبح

 

في جلسته الحادية والعشرين الموافق 24/4/96 للمجلس الوطني في غزة؛ وفي القاعة الكبرى لمركز الشوا الثقافي ، جلس عرفات على المنصة الرئيسية، وقد توسط سليم الزعنون رئيس المجلس ، وتيسير قبعة (نائبه) ، كانت الشوارع المؤدية إلى المركز مغلقة إلا لمن يحمل بطاقة عضوية ، والتي يحملها الأعضاء بفخر ، وقد تدلت على صدورهم ، كنت أحمل بطاقتي في يدي ، دخلت وزملائي عاطف عدوان ، أحمد الساعاتي ، فكري عبد اللطيف ، فؤاد النحال ، عيسى النشار ، صلاح البردويل ، يحيى موسى .

 

وكان جديدا علي ( جدا ) أن أرى أعضاء يقبلون خدود العضوات ، و ( كبدوي طب مدينة ) أخذت عيناي تحملق في الوجوه ، هذا فلان ، وذاك علان ... أسماء سمعنا بها منذ عشرات السنين ، ولأول مرة نلتقيها .. فدائيون وقادة ... انصرف ذهني إلى ( كيف سمحت لهم سلطة الاحتلال ؟ ) ووجدتني أبتسم إنه ( سر أوسلو الباتع ) الذي جعل أعدى أعداء اليهود هم اليوم هنا في غزة ( المحتلة ) ... في كرنفال جميل تغلفه طبقة مخملية ، ولكنها تدمي من داسها حافي القدمين عاري الراحتين .. بدأت الجلسة بالسلام الوطني .. انتصبت القامات .. ثم التصفيق ، وانتصبت، شعرت أنني شاهد زور ..

 

وشرد ذهني إلى سجون الوقائي والمخابرات والاستخبارات ، حتى سجن البحرية والمطافي .. حيث شباب حماس وقيادتها ، يسوطهم السجانون ، ويهشمون عظامهم .. وضعت البطاقة في جيبي ، همست لجاري .. لن أعود إلى هنا مرة أخرى !! فقال : انتظر .. جلس المصفقون الذين كانوا ( قائمين ) .. وجرى الحوار حول تعديل بنود .. ذهني يشرد ثم يعود؛ كتلميذ مرغم على الجلوس في حصة علوم أو حساب لا يحبها .. وعينه على عصا المدرس التي توشك أن تنشال وتنحط على جسده .. كانت الكلمات سياطاً ..

 

لن أعود مرة أخرى ، ولكن تسمرت في مقعدي .. مناظرة ساخنة بين رئيس الدائرة القانونية لمنظمة التحرير الفلسطينية جمال الصوراني وبين عرفات ، احتج الأول بكلمات على إلغاء المادة الثانية في الميثاق الوطني الفلسطيني والتي تنص على أن ( فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ ) تساءل الرجل : كيف تلغي هذه المادة ، وإسرائيل لم تلتزم بشيء ؟ وكيف يتم التفريط بوحدة الأراضي الفلسطينية المحددة (سنوات الانتداب) ؟ ولم يكد ينهي كلامه حتى انطلق بركان غضب من فم عرفات ، وقد صارت عيناه كدائرتين من لهب ، متهماً الرجل بالمزايدة ، وأنه ليس .... وضاعت الكلمات في زحمة الكلمات .. واستولى على الجميع صمت ، وصمت جمال ، وطال صمته ، ظننت أنه لن يتحرك من مكانه ، وكانت الورقة التي دون فيها ملاحظاته لا زالت مستقرة في يده ، حاول أن يتسلل من خلال كلمات عرفات ليتكلم، ولكنه سد عليه المنافذ ...

 

وأخيراً خرج ولم يعد يذكر اسمه ( على الأقل على سمعي ) ،وهنا طلب حيدر عبد الشافي الكلام مرة وأخرى وثالثة ورابعة .. ولم يعطه عرفات الفرصة .. فخرج الرجل بعد أن استأذن ولم يعد إلى المجلس الوطني .. وهو حيدر الذي كان ملء عيون كاميرات الدنيا عندما كان رئيسا للوفد الفلسطيني قبل أربع سنوات في مؤتمر مدريد ، وإن رضي أن يكون ضمن الوفد تحت المظلة الأردنية ، ولكن كلمته كانت ( تاريخية ) لعلي أتناولها بالحديث يوماً ما.

 

خرج حيدر لتطلب الكلمة حنان عشراوي ( عضو وفد مدريد أيضا ) والشخصية السياسية المبهرة ( أيامئذ) ( وأرجو ألا تفقد مبادئها ) تكلمت بكلمات قليلة بصوتها الخفيض ، لم يصل لمسمعي الذي كان مشغولاً بالاستماع إلى وصلة ( ردح ) بين أحد أفراد ( كوتة ) عرفات وواحد من فصيل معارض ، جعلتني أصرخ صرخة مكتومة ( ياه ... ) وانفضت الجلسة الأولى في اليوم الأول .. ثم انعقدت الثانية ... والتي أفضت بمجموعها إلى إلغاء بنود في الميثاق الوطني الفلسطيني ، بحوار ديمقراطي فلسطيني ( فظيع ) ، جرى في واحة الديمقراطية العربية ،كما كان يحلو لعرفات أن يصف ( ديمقراطيتنا ) ، هي الديمقراطية التي حملتنا إلى مدريد ثم إلى أوسلو ، وجاءت بالقيادة محمولة على أكتاف الهتافين إلى بيت الطاعة الإسرائيلي ، هي الديمقراطية المؤهلة الوحيدة للتنازل عن الثوابت الفلسطينية، وهي التي جاء فيها بالنص :

 

أولاً : تعديل الميثاق الوطني، وإلغاء المواد التي تتعارض مع الرسائل المتبادلة بين م. ت . ف وحكومة (إسرائيل) ، يومي 9و10 أيلول 1993 .

 

ثانياً : يكلف المجلس الوطني الفلسطيني اللجنة القانونية إعادة صوغ الميثاق الوطني ، ويتم عرضه على المجلس المركزي في أول اجتماع له.

 

لاحظ - عزيزي القارئ – أن صياغة الميثاق بعد التعديل بالإلغاء ، أسندت ( بالتكليف ) إلى اللجنة القانونية ، ولكن بلا جمال الصوراني .

 

وإلى حلقة أخرى في الإجابة على ويسألونك عن الميثاق ...