بقلم: أحمد منصور
«إنه من الصواب القول إن ذلك هو أحد أشرس الأيام منذ وقوع عملية الرصاص المسكوب» هذا ما صرحت به الناطقة باسم الجيش الإسرائيلي، تعليقا على قيام المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة يوم الجمعة 26 مارس الماضي بصد توغل إسرائيلي للقطاع، أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين، أحدهما ضابط برتبة رائد في كتبية تابعة للواء النخبة المعروف باسم «غولاني» وهو أقوى الألوية في الجيش الإسرائيلي، وأضافت الناطقة بأن الحادث كان «مأساويا ومؤلما» في منطقة تشهد «حربا يومية» مع مسلحين فلسطينيين.
وكانت خمس دبابات إسرائيلية، وجرافتان، ومدرعتان، قد توغلت لمسافة خمسمائة متر داخل أراضي قطاع غزة شمال شرق خان يونس، وسط تكهنات بأن «إسرائيل» تعد لهجوم جديد على القطاع قد يحدث في أي لحظة، لكن المقاومة الفلسطينية في القطاع كانت بالمرصاد، فردت بقوة علي التوغل الإسرائيلي، وخاضت معركة شرسة وصفت من قبل الناطقة باسم الجيش بأنها «أحد أشرس الأيام منذ وقوع عملية الرصاص المسكوب التي قام بها الجيش الإسرائيلي في نهاية ديسمبر عام 2008، واستمرت ثلاثة أسابيع، لم تتمكن قوات الاحتلال خلالها من السيطرة على القطاع، وخاضت معارك شرسة مع المقاومة الفلسطينية، انتهت بانسحابها بعدما تكبدت خسائر فادحة، لتكون هذه العملية هي الهزيمة الثانية للجيش الإسرائيلي خلال عامين، بعدما فشلت قوات الاحتلال في احتلال جنوب لبنان صيف العام 2006، ولقيت مصيرا مشابها على أيدي المقاومة اللبنانية، لتثبت هاتان العمليتان أن «إسرائيل» وجيشها ليست بالقوة والبطش الذي يجعل الحكام العرب يركضون من أجل إقامة العلاقات واستئناف المفاوضات معهم.
لكن دلالات معركة الجمعة الماضي أنها تأتي بعد أكثر من ألف يوم على حصار قطاع غزة وسكانه، حيث يعيشون أوضاعا إنسانية مأساوية على كافة الأصعدة، فعلى الجانب الصحي هناك أكثر من ثلاثمائة صنف من الأدوية، منها 80 صنفا من أدوية الأورام قد نفدت، كما أن هناك 24 جهازا للأشعة معطلة، وعشرون جهازا للتخدير معطلة أيضا، وهناك عشرات المرضى يحملون تحويلات طبية للعلاج خارج القطاع يمنعون من السفر، ويقضون نحبهم موتا بسبب الحصار، أما أطفال غزة فإن 60% منهم يعانون من سوء التغذية، علما بأن عدد الأطفال في غزة أو عدد السكان تحت سن الثامنة عشرة يبلغ حوالي 53% من عدد السكان، ولنا أن نتخيل وضع التعليم الذي هو رأسمال أي شعب، وكيف تدنى في ظل تدمير عدد كبير من المدارس والمعامل، واكتظاظ الصفوف، والمناوبة عدة مرات في اليوم، حتى يتم استيعاب الطلاب في المدارس المتاحة، أما محطات توليد الكهرباء فإنها تعمل فقط بنسبة 30% من طاقتها، ولنا أن نتخيل تأثير ذلك علي الحياة بكل قطاعاتها، كما أن مياه الشرب اختلطت بمياه المجاري، وأصبح ما نسبته 90% من مياه الشرب غير صالح للاستهلاك الآدمي، وقد قامت «إسرائيل» بمنع وصول أية مياه نقية للقطاع، ولم يعد هناك سوى مياه الآبار الملوثة، هذا خلاف التلوث البيئي الرهيب الذي خلفته الأسلحة المحرمة دوليا التي استخدمتها «إسرائيل» ضد سكان القطاع خلال عملية الرصاص المسكوب، الأكثر سوءا من كل هذا هو الحصار القائم على القطاع وسكانه طوال الفترة الماضية، حيث خسر كثير من الفلسطينيين وظائفهم في كثير من دول العالم، أو منحهم الدراسية، أو غيرها، هذا خلاف الذين لا يسمح لهم بالعلاج، ويقضون الأيام والليالي علي المعابر دون أن يسمح لهم بمغادرتها، وسط كل هذا تمكنت المقاومة الفلسطينية من صد الهجوم الإسرائيلي، وكبدت «إسرائيل» هذه الخسائر كما أعلمتها أن التوغل في القطاع لن يكون نزهة حتى بعد ألف يوم من الحصار، لكن المؤسف أن ما يتعرض له مليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع يواجه بمواقف رسمية عربية مخزية، منها قرار لجنة المتابعة للمبادرة العربية الذي أعلنته في مارس الماضي عن استئناف المفاوضات غير المباشرة مع الإسرائيليين، فرد الإسرائيليون على ذلك بالإعلان عن استئناف سياسة الاستيطان، والتعنت الكامل إزاء التنازلات الرسمية العربية.
«إسرائيل» لن تذعن بالمبادرات والتنازلات العربية، «إسرائيل» لن تذعن إلا بالمقاومة والقوة، فلا احترام إلا للقوي، ولا عزة إلا للقوي، أما ما يقوم به الحكام العرب فليس سوى سطور جديدة في كتاب الهزيمة، الذي بدأ في العام 1948 ولازال قائما حتى اليوم، ينتظر من يمحوه ويسطر كتابا جديدا للنصر والعزة، ويتعامل مع «إسرائيل» على حقيقتها؛ أنها كيان هش ضعيف، وجيش يعيش داخل الدبابات والثكنات، رغم مظاهر القوة والدعم الذي يتلقاه، وليس الأمر بحاجة إلا لإرادة عربية قوية، وحاكم يواجه هذا الصلف، ويجبر «إسرائيل» على الخضوع، فلا عزة إلا للأقوياء، وأهل غزة بصبرهم ومقاومتهم أثبتوا ذلك بعد أكثر من ألف يوم من الحصار.


