بقلم: صالح النعامي
هناك علاقةٌ وثيقة بين قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تمديد ولاية رئيس جهاز الموساد مئير دجان لسنة ثامنة ليكون أول رئيس للجهاز يمكث هذه المدة الطويلة على رأسه، وتفكيك هذا العدد الكبير من الخلايا التي تتجسس لصالح الكيان الصهيوني في لبنان، والذي يثير الدهشة والصدمة في آنٍ معًا هو حقيقة أن عددًا كبيرًا من الذين يتم إلقاء القبض عليهم هم من كبار القادة في الأجهزة الأمنيَّة اللبنانيَّة، فهناك أشخاص يحملون رتب عميد وعقيد ومقدم اعترفوا بارتباطهم بالموساد وتعاونهم معه في المسّ بالمقاومة وعناصرها، والأمن الوطني اللبناني، وبكل تأكيد أن الذي ساعد اللبنانيين على اكتشاف هذه الخلايا هو الحصول على تقنيات متقدمة أسهمت في الكشف عن هذه الشبكات، ويدلِّل على العدد الكبير من العملاء الذين تم تجنيدهم على التغيير الذي طرأ على الموساد منذ أن تولى قيادته مئير دجان في العام 2002، فمنذ دخوله مبنى قيادة الموساد شمال تل أبيب، شرع دجان فيما وصف في حيه بعملية 'تطهير' لأقسام الموساد من المسئولين 'غير الإبداعيين'، فتمت الإطاحة بحجاي هداس، الرجل الثاني في الجهاز، في حين فضّل بعض قادة الجهاز الانسحاب بعد اعتراضهم على القواعد الجديدة التي أدخلها دجان على عمل الموساد، والتي تمثلت في:
أولًا: اعتماد طريقة التجنيد السريع للعملاء للعرب والتوقف عن استخدام طرق التجنيد التي تستغرق وقتًا طويلًا قبل الاستفادة من العميل كمصدر للمعلومة الاستخبارية، أي اعتماد نفس أساليب التجنيد المتَّبعة من قِبل جهاز المخابرات الداخلية 'الشاباك' المتخصص في مواجهة المقاومة الفلسطينية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد أدخل دجان هذا التغيير بناءً على توصيات مستشاره في ذلك الوقت يوفال ديسكين، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس 'الشاباك'.
ثانيًا: توسيع مجال الأنشطة الاستخبارية لتشمل دولًا عربية لم تكن ضمن أهداف عمل الموساد، وخيرُ دليل على ذلك أن الأجهزة الأمنية في كل من الجزائر واليمن ألقت القبض على أشخاص بتهمة الارتباط بـ 'الموساد'، علاوة على تكثيف عمليات التجسس ضد دول ترتبط بعلاقات بإسرائيل، لا سيما مصر.
ثالثًا: استئناف عمليات التصفية ضد نشطاء المقاومة الفلسطينية واللبنانية، فكانت أول عملية اغتيال نفّذت من قِبل الموساد في عهده تصفية عز الدين الشيخ خليل المسئول المالي في حركة حماس في دمشق، إلى جانب اغتيال عدد كبير من نشطاء حركة الجهاد الإسلامي وحزب الله في لبنان.
رابعًا: نظرًا للتركيز على جمع المعلومات الاستخبارية وعمليات التصفية فقد تعزَّزت مكانة كل من شعبة العمليات في الموساد المعروفة بـ 'كيساريا'، وتحديدًا وحدة التصفيات فيها المعروفة بـ 'كيدون'، وشعبة جمع المعلومات الاستخبارية المعروفة بـ 'تسوميت'، وذلك على حساب الشُّعب الأخرى، وتحديدًا شعبة التنسيق مع الأجهزة الاستخبارية الأجنبية المعروفة بـ 'حبيل'، بسبب الطابع شبه الدبلوماسي لعملها.
عقب ما وصف في إسرائيل بـ 'نجاحات' الموساد في تنفيذ العديد من العمليات النوعية، ارتفعت أسهم الموساد ورئيسه الجديد، وأصبح يُنظر إلى دجان كقصة نجاح كبيرة، وهو ما زاد من ثِقل وزن الموساد في دائرة صنع القرار بعد أن كان دوره هامشيًّا، مما حدا برئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت توسيع صلاحيات الموساد، فقد كلّف المجلس الوزاري المصغَّر لشئون أمن الموساد بالمسئولية الحصرية عن مواجهة التهديد النووي الإيراني، وتم إلزام جميع الأجهزة الاستخبارية الأخرى والجيش وبقية مؤسسات الدولة بالخضوع لتعليمات دجان في هذا الشأن.
وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وظهور مؤشرات على توجه تنظيم 'القاعدة' للمسّ بالأهداف الإسرائيلية كلّفت الحكومة الإسرائيلية الموساد بالمسئولية عن مواجهة حركات الجهاد العالمي.
وتؤكد التقديرات الإسرائيلية أن هذه التطورات ترافقت مع تضخم ميزانية الموساد التي تعتبر أحد أسرار الدولة، ولأول مرة في تاريخه، أمر دجان بنشر إعلانات في الصحف تدعو الشباب الإسرائيلي للانضمام إلى صفوف الموساد، لا سيما أولئك الذين يجيدون اللغة الفارسية في مؤشر على سلم أولويات الجهاز في المرحلة القادمة.
وعلى الرغم من 'إنجازات' دجان سرعان ما طاله وجهازه النقد في أعقاب حرب لبنان الثانية، حيث اتُّهم الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية 'أمان' بالتقصير، حيث فشل الجهازان في التنبؤ باختطاف الجنديين الإسرائيليين، وهو ما أدى إلى الحرب، علاوةً على الفشل في تحديد مكان مخازن الصواريخ التابعة للحزب، مما جعل من المتعذَّر على سلاح الجو الإسرائيلي ضربها، مما مكن الحزب من مواصلة إطلاق الصواريخ حتى آخر أيام الحرب.
ومع أن 'الموساد' خرج أقلّ تضررًا من توصيات لجنة 'فينوغراد' التي حققت في أسباب فشل الجيش الإسرائيلي في كسب الحرب، إلا أن رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت ألقى على دجان مهمة ترميم قوة الردع الإسرائيلية التي تضرَّرت في أعقاب الحرب من خلال القيام بعمليات ذات صدًى واسع وكبير، وبالفعل فقد وفَّر 'الموساد' المعلومات التي استند إليها الجيش الإسرائيلي في قصف المنشأة البحثية في شمال شرق سوريا في ديسمبر من عام 2006، وقام عملاء الموساد بتصفية العميد محمد سلمان الذي تتهمه إسرائيل بالمسئولية عن البرنامج النووي السوري، ووفَّر 'الموساد' المعلومات التي اعتمد عليها سلاحا الجو والبحرية في إحباط عمليات تهريب السلاح لحركة حماس وحزب الله، سواء بقصف القافلة في السودان أو اعتراض سفن في عرض البحر الأبيض المتوسط.
وتنسب مصادر إسرائيلية وغربية للموساد نجاحه في تضليل الإيرانيين؛ حيث عملت شركات وهمية تعمل بالتنسيق معه على تزويد المنشآت النووية الإيرانية بتجهيزات معطوبة، وقد ألقى الإيرانيون القبض على مدير إحدى الشركات الإيرانية التي تعاونت مع الموساد في هذا الشأن، وتمت محاكمته ونفذ فيه حكم الإعدام، ومما لا شك فيه أن تصفية كل من عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله ومحمود المبحوح تندرج في إطار محاولات إسرائيل لاستعادة الردع الذي تضرَّر كثيرًا في حرب 2006، وإثر هذه العمليات تحوَّل دجان للقائد الأمني صاحب الكلمة الطولى لدى المستوى السياسي، علاوةً على تعاظم شعبيته لدى الرأي العام، حيث اختير لرجل العام الماضي كرجل العام.

