الخميس 01 يناير 2026 الساعة 02:02 م

مقالات وآراء

إنها أمي

حجم الخط

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

أنظر إلى سنوات خلت ، كنت صغيراً ، وأينما توجهت أراها أمامي ومن خلفي وعلى جانبي وفي عقلي وقلبي ، أسمعها بكل جوارحي ، كانت لا ترى في عيباً ، وإن أخطأت ( فلم أرتكب كبيرة ) وإن أخفقت ( فليست نهاية الدنيا)، وإن نجحت ( فهذه عادتي ) ، وإن خرجت ( تبعني قلبها ) وإن رجعت ( حلت البركة ) ، كانت عظيمة في بساطتها ، وبسيطة مع عظمتها ، وكانت ابتسامتها بسيطة ، كانت أول ما أرى عند صحوي ٍ، وآخر ما أرى عندما يغلبني النعاس ، كانت تحبب إلي كل شيء ، وتجلد وجداني بكلمة ( حرام ) إذا كرهت مني ( فعلاً ) أو ( قولاً ) ، تحدثني عن ( بكرة ) بقلب تعلق به، وأما عقلها فمرتبط ( بأمس واليوم ) ، خرجت طريدة من قريتها لتعود .. كرهت اليهود كما لم تكره شيئاً قط ، سرقوا فرحتها وفراخها وثلاثة أزواج من الحمام تحتها ( زغاليلها) وسرقوا ثوبها المطرز بالحرير ( الصادق ) وسرقوا شجرة المشمش ، ( وصريف ) الصبر الذي زرعه أبوها لها ... كم هو غال صبرها ، كانت حباته ( كيزانا ) من العسل ..

 

طردوها مع بناتها الخمسة وابنيها الصغيرين، وأما ابنها الشاب فقد كان بعيداً... وجدت نفسها في طابور طويل في انتظار من سيصرف لها خيمة ، لم تكن قد عرفت ( الخيام ) من قبل ، ولم تك تعرف كيف تنصبها ، وعندما أخذتها وجدتها صغيرة .. لا بأس .. يكفي أنها تستر ( العيال )، أحاطتها بخندق من التراب، ثم نامت على التراب، صغارها يبكون، إذ لا يجدون الطعام ولا الدواء ولا الماء... كنت أكثرهم صراخاً وعويلاً، وكانت تمزقها اللوعة زيادة عما تعاني من ألم... خرج أخوها الغالي وعلى كتفيه بندقية، وحل مساء وآخر وثالث ولم يرجع، وأبي ينتظره ليخرجا معا.. ولكنه لم يعد ! رأيتها تحمل أكياسا مرقعة، وخرجت لتعود بها معبأة بالفول والعدس والحمص، والقليل من السكر، والكثير من الدقيق ! سألت نفسي: كيف استطاعت أن تحمل كل هذا على رأسها؟ ... لم أعرف الإجابة! وسألت: من أين ؟ قيل : من الكويكرز ! وسألت : لماذا تخرجين وأنت مرهقة ؟ قالت : لأملأ الجرة والثانية والثالثة .. وسألت : كيف حملت كل هذا على رأسك ؟ أما تخافين أن تنكسر رقبتك ؟ سكتت وفي عينيها ابتسامة ! ثم انحنت لتكنس البيت بعد أن طبخت قليلاً من العدس ( المجروش ) ... توضأت ثم صلت .. لم تقرأ الفاتحة كما كان يقرأها أستاذي ، وعندما انتهت حملت أختي الصغيرة على رأسها وهي تضحك بسعادة كبيرة وتمنيت أن أكون أنا الذي صلى بجانبها لا أختي التي لا تحسن إلا أن تناديها ( ما ) بألف ممدودة بصوت أشبه بصوت عنزة صغيرة أو كمواء قطة خرجت لتوها من بركة باردة .. تسللت فقرصت أختي غيرة منها فصرخت ، وضحكت أمي ( آه يا مكيود ) ! كانت تناديني يا (أستاذ) أو يا ( دكتور ) أو يا ( مهندس ) هي أمنياتها وحوافزها .. سألتها : لماذا ثوبك مرقع ؟! ضحكت ... غداً تشتري لي ثوباً من (قبضتك ، يللا إكبر ... إكبر ، وصير شاطر ، عشان تلبسني ثوب جديد ، وتحججني ) سألتها : متى ؟ قالت : بكرة ! كم هو قريب هذا ( البكرة ) وكم هو بعيد ! وجاء بكرة .. بعد وقت طويل ... تجرعت أمي خلاله الحرمان حتى هد قواها ، مرضت ثم مرضت ثم مرضت ، ولم تكن تتعافى من مرض حتى يحل جسدها آخر ، ولها رصيد من السابق ، لم تعد تقوى على الذهاب إلى (التموين) ولا إلى (الماء ) ، لم تعد تقوى على الصلاة وهي واقفة .. كبرنا جميعنا ، وزحفت الشيخوخة إلى أوصالها إلا ذاكرتها .. ظلت تشع من حولنا نوراً وحباً ووطناً .. حديثها عن القرية لا ينتهي، وكذا عن صاحباتها ، وعن الطفلة التي تقطعت سيقانها بقذيفة مدفع يهودي ، وعن عمها الذي قطعوا رأسه بخنجر ، وعن اللوز والقمح والصوامع ، وعن الجرن والسامر والقمر ، ثم كيف ذبحوا الشباب بعد سنوات ثمانية ، وخرجوا ليعودوا سنة 1967 .. كانت تتحدث عن عبد الناصر والشقيري والخونة والذين لولاهم لانتصر جمال والشقيري !! وكانت تبكي عندما يأتي ذكر القدس ، رغم أنها لا تميز بين الإسراء والمعراج ، ذهبت إليها مرة واحدة وصلت في مسجد قبة الصخرة ، وكأنها صلت في الجنة ، حدثت عن صلاتها تلك كل من التقت به من الخلق ، ولمدة زادت عن خمس عشرة سنة .. كانت تتمنى لو أن الضباع والغيلان تهجم على اليهود لتأكل رؤوسهم ، ليستريح العالم منهم وتعود القدس .. كنت أستمع إليها وصرت ( مدرساً ) كما كنت أستمع إليها وأنا تلميذ صغير ... أستمع لها بكل مشاعري ووجداني وسعادتي ، كنت أحاول أو أوضح لها الفرق بين الإسراء والمعراج ، ولكن سرعان ما أسكت ، إذ لا فرق ، فالإسراء هو المعراج والمعراج هو الإسراء ؛ لذا سيصون الله القدس ، لأن محمداً قد زارها ، وصلى بالأنبياء إماماً فيها .. هكذا كانت تقول ، وهكذا كان إيمانها حتى فارقت الحياة .