الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 01:59 ص

مقالات وآراء

لقد أسقطوا غصن الزيتون من يده، فماذا أنتم فاعلون ؟

حجم الخط

بقلم: د. عطا الله أبو السبح

 

وقف عرفات على منبر الأمم المتحدة وخاطب الجميع ( لقد جئتكم – يا سيادة الرئيس – بغصن الزيتون مع بندقية ثائر ... لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي ) ولقد حظي ذلك الخطاب بتغطية إعلامية هائلة ، وبعد ما يزيد عن ثلاثين سنة من ذلك الموقف فلا تزال بعض الفضائيات تذكرنا به بالصوت والصورة ، ومما قيل يومها بأن أمريكا حاضنة الجمعية العمومية رفضت استقبال (الإرهابي) ياسر عرفات ، فهبت الجمعية العمومية لاستقباله ، وقف ( الثائر ) ياسر عرفات ينشد السلام مع (إسرائيل) ، توطئةً للاعتراف بها ثم بوجودها ليكمل خليفته عباس ليعترف ( في المستقبل القريب جداً ) بيهوديتها ! لقد التقطت المؤسسة الصهيونية خطاب عرفات ، فقرأت ما بين سطوره :

 

1- إن روح الثائر لم تعد متأججة فوارة ، بل أخذت تجنح إلى الفتور والركون إلى ( السلام ) .

 

2- استعداد تخلي عرفات والمحيطين به عن ثوابت الميثاق الوطني الفلسطيني ، والذي فيه ما يؤكد أن أرض فلسطين التاريخية هي التي يطالب بها الثوار وأن الكفاح المسلح هو الوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين.

 

3- إن ياسر عرفات هو الفلسطيني الرسمي الأول الذي أبدى استعداداً للتعايش بسلام مع (إسرائيل) ، إذن فلابد من دعم رسالته ، على أن يعامل بسوء الظن فيه ، مع التلويح من بعيد عن استعداد (إسرائيل) لدراسة مبادرته ، والتعامل معها بحسب ما يبدي من تنازلات لابتزازه .

 

ولتعزيز خطوة عرفات تلك كان لابد من :

1- كسر شوكته تدريجياً بافتعال حروب داخلية ؛ فلسطينية فلسطينية أو فلسطينية لبنانية أو لبنانية لبنانية ، مما أدى إلى إحداث شروخ في بنية تنظيم فتح ، وانشقاقات أسفرت عن عدد من الاغتيالات لكوادر (راديكالية ) أو ( عرفاتية ) وقد ترددت أسماء : زهير محسن ، صبري البنا ، أبو الزعيم ، أبو خالد العملة ، أبو موسى ، خالد الفاهوم، وقد جرت بينها حروب طاحنة أهلكت مقدرات وأزهقت نفوسا .

 

2- لعب الموساد أدواراً كبيرة في اختطاف عدد من القيادات والكوادر أو اغتيالهم ، إلا عرفات ، حتى بدا وكأنه الوحيد المحصن بالمعجزات التي تنجيه من الاغتيال أو الموت أو القتل .

 

3- استشراء الفساد والنهب والبذخ ، بما أفقد الثوار نقاءهم الثوري ، وأصاب الصندوق القومي الفلسطيني بالإفلاس أحياناً ، حتى وصل إلى درجة العجز عن دفع رواتب العاملين أو مستحقات أسر الشهداء ومستحقات المؤسسات واللجان والنقابات والاتحادات ، بما أوهن العلاقة التنظيمية ، وأصابها بالتحلل واليأس .

 

4- نجاح الموساد في اختراق البناء التنظيمي وصل إلى مكتب عرفات نفسه ، مثل عدنان ياسين ، مما يسر لهم الوصول إلى خارطة تفكير القيادة الفلسطينية ، فوضعت لها الخطط لطمس معالمها ، واستدراجها حتى دخلت القفص الذهبي مختارة ، تحفها الجماهير الممهورة بدعاية النصر وشعاراته و علامته .

 

لقد كانت هذه الجملة (الشهيرة) من الخطاب هي كلمة السر التي فتحت المغارة الفلسطينية ، وكان الأمر بسيطاً جداً ، كل ما في الأمر أنهم كسروا بندقية الثائر ، وداسوا غصنه الأخضر ، ولقد أغراهم إلى ذلك ثلاث فقرات جاءت في الخطاب :

 

الأولى: ( إنني أعلن أمامكم هنا كرئيس لـ م. ت. ف ، وقائد للثورة الفلسطينية أننا عندما نتحدث عن آمالنا المشتركة من أجل فلسطين الغد فنحن نشمل في تطلعاتنا كل اليهود الذين يعيشون الآن في فلسطين ، ويقبلون العيش معنا في سلام دون تمييز على أرض فلسطين ) إذن فقد أعطاهم (كلهم) الحق في العيش في فلسطين الدولة الديمقراطية التي ينشدها ، مع أنهم جاءوا من أطراف الدنيا ولا حق لهم فيها !

 

إذن كيف يتحدث بعد ذلك عن حق العودة ؟ وإلى أين يعود اللاجئ ، في حين أن بيته يسكنه يهودي في يافا وأخواتها ، وأن قريته قد دمرها يهودي ليجعل منها مزرعة أو اسطبلاً أو معسكر جيش .

 

الثانية : ( إنني كرئيس لـ م .ت . ف وكقائد للثورة أعلن هنا أننا لا نريد إراقة نقطة دم يهودية أو عربية ... ولا نستعذب استمرار القتال دقيقة واحدة ، إذاً حل السلام العادل المبني على حقوق شعبنا وتطلعاته ... ) عبارة سلام ووداعة قابلها يهود بالمزيد من إراقة الدماء والإبعاد والاختطاف ، وقد أدركوا مقدار ما بلغ بالثائر من الإعياء والرغبة في حياة أي حياة . الثالثة : ( إننا نقدم لكم أكرم دعوة أن نعيش معاً في إطار السلام في فلسطيننا الديمقراطية ) حبذا لو أدرك عرفات بأن اليهود أسسوا دولة دينية، وأسموها باسم نبي ، وأن حربهم عقائدية ، وجاءوا إلى الأرض المباركة التي وعدهم بها رب (إسرائيل) ، خالصة لهم دون عرفات وشعبه ، فلو أدرك ذلك وأعد له عدته لما طالب بما طالب به ، ولما وصل بالقضية وبنفسه إلى هذا الهوان الذي نراه اليوم يعم الساحة الفلسطينية إلا من بقي على عهد المقاومة .