السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 10:33 ص

مقالات وآراء

فولك غولدستون

حجم الخط

بقلم: مصطفى الصواف

 

ريتشارد فولك منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، بات في عرف سلطة رام الله منحازاً لحركة حماس، واعتبرت تقريره المتعلق بالأراضي الفلسطينية، والذي عرج فيه على انتهاكات للسلطة الفلسطينية بحق الشعب الفلسطيني، علماً أن (فولك) مسيحي أمريكي، وليس عربياً، أو من العالم الثالث أو يسارياً، حتى يكون متعاطفاً مع حماس (الحركة الدينية)، ولكن الرجل بالفعل كان منحازاً، وانحيازه هذا للحقيقة، وليس لصالح طرف على حساب طرف آخر.

 

(فولك) رصد حالة إنسانية بحتة، شاهد بأم عينيه جرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، ولمس عن قرب حجم المعاناة التي يسببها الاحتلال للشعب الفلسطيني ،سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، وتحدث عن جرائم بحق الإنسانية دان فيها الاحتلال الإسرائيلي.

 

وقد يفوق تقرير (فولك) من الناحية المهنية والقانونية والإنسانية تقرير (جولدستون) على أهميته بكثير، ولكن مشكلة تقرير (فولك) أنه وجه انتقادات لسلطة محمود عباس، وحملها جزءاً من معاناة الشعب الفلسطيني، الأمر الذي أزعج سلطة رام الله، وعلى أثره طالبت (فولك) بالتنحي عن منصبه، ودعت الأمم المتحدة إلى تنحيته، ولم تتهمه فقط بالانحياز إلى حركة حماس، بل اتهمت الرجل في قواه العقلية كونه رجلاً كبر في السن، ثم حرضت عليه بكل الطرق والوسائل، وبلغ الأمر بالمندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة بتأجيل النظر في تقرير (فولك)، كما طلب من قبل تأجيل النظر في تقرير (جولدستون).

 

والحجة الأولى التي ادعت فيها السلطة سبباً لتأجيل عرض (جولدستون)، وهي المصلحة الوطنية العليا، هي التي بررت فيها طلب تأجيل عرض التقرير في الأمم المتحدة بحجة المصلحة الوطنية العليا، وهل هذه المصلحة التي دعت إلى التأجيل في المرة الأولى تغيرت بعد أن هب الشعب الفلسطيني ، ومعه كل منظمات حقوق الإنسان ، ما أجبر السلطة على إعادة طلب العرض من مجلس حقوق الإنسان تحت تأثير الضغط الجماهيري، فأين هي إذن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني؟ وهل هذه المصلحة تتغير بين يوم ليلة؟ وأين هي المصلحة الوطنية العليا اليوم التي تكمن وراء الطلب الفلسطيني لتأجيل عرض التقريرين على الأمم المتحدة؟

 

مع الأسف دفناّ بأيدينا ما يمكن أن ندين به العدو الإسرائيلي عبر المنظمات الدولية، كما هو مدان عبر المؤسسات الأهلية ، ومنظمات حقوق الإنسان، والسبب الحقيقي هو وهم تعيشه سلطة رام الله اسمه العملية السلمية، والتفاوض غير المباشر، فالقضية ليست مصالح الشعب الفلسطيني بقدر ما هي أوامر السيد الأمريكي، ومطالب العدو الإسرائيلي، والاستجابة الفورية من محمود عباس، وكأن هذا التأجيل هو متفق عليه للخروج من العرض الأول.

 

تقرير (جولدستون) سيطوى، ولن يرى النور، ولن توجه الاتهامات المباشرة إلى العدو الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية عبر المؤسسات الدولية، بحجة أن الفلسطينيين لا يريدون عرض التقرير، وهم يبرئون الاحتلال من جرائمه، ويحمونه من الإدانة.

 

ولكن المستغرب في الموضوع هو هذا الصمت الجماهيري الذي تحرك في التأجيل الأول، والذي أجبر عباس على التراجع، أين ذهب الرأي العام الفلسطيني من التعبير عن غضبته من هذا التأجيل الجديد للتقريرين، سؤال بحاجة إلى ألف إجابة وإجابة؟
 

يجب أن تتحرك القوى الفلسطينية نحو قيادة الشارع الفلسطيني احتجاجاً على طلب التأجيل من قبل محمود عباس، وحكومة رام الله؛ لأن هذه الجريمة لا تختلف عن الجريمة السابقة التي أقمنا الدنيا ولم نقعدها إلا بعد أن تراجع عباس، وطلب عرض التقرير مرة أخرى.

 

المطلوب التحرك حتى يتم تشكيل حالة رأي عام مساندة لعرض التقرير، وحتى يتم فضح من يقف خلف قرار التأجيل مرة أخرى، وكشف عورته من خلال كشف الأسباب الحقيقية للتأجيل الذي قد يؤدي إلى تبرئة العدو من دم الشعب الفلسطيني، وان ما يدعيه المندوب الفلسطيني من أن سبب التأجيل هو المصالح الفلسطينية محض افتراء، وكذلك تضليل وخدمة لأهداف سياسية خاصة لها علاقة بمفاوضات وهمية لن تؤدي إلا إلى مزيد من التيه والضياع.