بقلم: د. عطا الله أبو السبح
نحن العرب كرماء حتى السخاء ، فلقد أعطى السيد عرفات إعترافاً بـ(إسرائيل) مقابل اعترافها به كمنظمة والفرق بين الاعترافين كبير .
فالدولة أرض وشعب يملكها وله سيادة عليها ، وبالتالي فلقد تنازل سيادته عن 78% من أرضه ( لغاصب) وللأبد ، وصادر لصالح (إسرائيل) حق من هجّرتهم (إسرائيل) منها بالمطالبة بها إذ لم تعد أرضهم ، ولا حق لهم فيها ، وتستطيع (إسرائيل) أن تحاجج بذلك من يطالبها بحقوق اللاجئين وفق قرار أممي رقمه 194 ألغاه ذلك الاعتراف .
ومن هنا تبرز عقلانية عباس وواقعيته عندما يطالب بحل مشكلة اللاجئين وفق رؤية يتفق عليها مع (إسرائيل) ! ثم دخل سيادته ( عرفات ) بيت الطاعة الإسرائيلي محمولاً على الأعناق الفلسطينية ، التي رأت فيه مبعوثا للعناية الإلهية التي ستخرج الفلسطيني من النفق ( الذي كان يرى عرفات في آخره ضوءاً ) وإذا بالنفق له مدخل ، ولا مخرج له إلا على القبر بعد معاناة وحصار وتجويع ثم اغتيال ! ثم يأتي عباس رفيق الدرب ، ومهندس أوسلو ، ويجد أمامه قائمة طويلة من المطالب الإسرائيلية قد قيّد نفسه بها من قبل ، تضمنتها خارطة الطريق ، وللحق فإن الرجل كان وفياً جدا ، فنفذ كل ما التزم به ، ووقّع عليه وزيادة ؛ فقد حارب المقاومة وكسر البندقية ، وأودع بالمقاومين غياهب السجون حتى من شرفاء فتح ، وفرد البساط الأحمر من تحت أقدام مستر دايتون ؛ جاسوس (السي آي إيه) و(الموساد) ، ليضع خطة بناء الأجهزة الأمنية وتدريبها ، ومتابعة التنفيذ ، فخرّج جيلاً لديه الاستعداد أن ( يطخ ) أباه إذا ( اعتدى ) على جندي صهيوني وإن رآه يبول في الحرم القدسي ، أو رآه يفجر رأس طفل فلسطيني عائد – للتو – من مدرسته ! وتنازل عن استقلالية القرار الفلسطيني ، الذي طالما تغنى به عرفات ، فرهن القرار بمشيئة واشنطن وتل أبيب ، ثم دخل على الخط (الصهيوني ساركوزي ) ، فضلاً عن مؤسسة العمل الجماعي العربي (!!) سواء على مستوى القمة ، أو على مستوى وزراء الخارجية ، بعد أن ( خرب مالطا ) دون أن يعلمهم ، فضلاً عن عدم أخذ رأيهم أو مشورتهم عندما ثقب الجدار العربي وتسلل منه إلى أوسلو ، ورهن نفسه للدول المناحة ، والمال المسيس ، فلا يقطع رأياً إلا بموافقتها ، ولا يفكر أن يفكر إلا بما يفكرون به ، فهم الشرعية وهم الرباعية وهم (إسرائيل) . وجاء كل ذلك متزامناً مع شيطنة الفصائل المعارضة وفي مقدمتها حماس ، التي لا يرى فيها شريكاً لأي حوار أو عمل أو قرار ، هي نفس النظرة التي يراه بها الإسرائيليون، وتنازل الرجل عن حقه في العودة إلى شعبه في استئناف المفاوضات أو قطعها ، سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة ، فإن خرج عن الخط قيد أنملة، فإن غرفة ( عرفات ) في المقاطعة تنتظر ! أبعد هذا الكرم من كرم وليفشر حاتم الطائي ! عجيب ذلك الكرم ، وعجيبون أولئك الكرماء !! في ظل ذلك يأتي جورج ميتشيل لزيارة ( حاتمنا ) فإن كان ابن طيء قد ذبح ناقته لضيفانه ، فماذا ترى سيذبح عباس لجورج ميتشيل ؟ ماذا بقي بين يديه ؟ وهل صحيح أن عباس يملك أية أداة يقول من خلالها لـ(إسرائيل) : أريد دولة في حدود 4 يونيو / حزيران 1967 ؟ ماذا بقي من معنى ( التحرير ) الذي له منظمة فلسطينية يرأسها فخامته ؟ وماذا بقي من وسائلها من بشر أو مؤسسات ؟ وهل لو بقي من كل ذلك شيء فهل كان يمكن أن يعترف بها إسحاق رابين ؟ يأتي جورج ميتشيل ضيفاً على رجل عقر جواده ، وذبح لـ(إسرائيل) ناقته ، وكسر قوسه ، وغرز في الهواء سيفه ، فبماذا سيضيف ميتشيل ؟ سؤال حيرني ، فهل لدى قارئ من جواب ، لا أظن ذلك ولا أظن .
معذرة: ماذا سيقدم له ميتشيل ؟ وعلام سيتفاوض ؟ ثم هل هي فعلا الفرصة الأخيرة ؟ أرجو أن أسمع من نتنياهو ميتشيل الجواب ؟
ملاحظة: جاء في مقال أمس أن رئيس أمريكا زمن العدوان الثلاثي كان روزفلت وهذا خطأ ، والصحيح أنه أيزنهاور ، وشكر للمثقف أبي هاني .
