بقلم:عبد الحليم قنديل
نخشى أن تختلط الأوراق في قضية الدكتور محمد البرادعي، ونقع في ظن التهوين من دور وارد للرجل، أو في ظن التهويل بتشبيهات سخيفة من نوع تشبيه عودته إلى مصر بعودة الإمام الخميني من باريس إلى طهران.
فالبرادعي ليس زعيما ولا قائدا سياسيا بعد، وهو رجل على قدر عظيم من التواضع الخلقي، وأمامه وقت لكي يفهم بالدقة ما يجري في مصر، ويرتب أوراقه، ويحزم قراره، وينحاز إلى اختيارات تخلع القلب أو تميته.
وبين كل ردود الفعل التي صاحبت عودة البرادعي، واستقبال مئات المحتفين به في مطار القاهرة، كان بيان حـــركة كفاية هو الأعظم امتيازا، فقد رحبت 'كفاية' بعودة الرجل، ودعته إلى الاستقرار في مصر، والبدء في كفاح جدي من أجل كسب حرية مصر والمصريين، وبدت الدعوة في محلها تماما، واستعادها كثيرون ـ بينهم الإعلامي الأشهر حمدي قنديل ـ في لقاء جمع البرادعي مع طيف سياسي وثقافي متنوع في منزله على طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي، وقد بدا الرجل مستجيبا، ووعد بتقصير فترات ذهابه للخارج، والإقامة في مصر أغلب وقته، وهذه خطوة تبدو ضرورية وجوهرية جدا، فلا يمكن إدارة حملة سياسية ـ يكون البرادعي رمزها ـ بطريق المراسلات، أو الاكتفاء بخطابات في الإعلام، وحشد المؤيدين في الفضاء الافتراضي عبر شبكة الإنترنت.
ورغم ملاحظات هنا أو هناك، فقد بدا التطور الراديكالي مرئيا مطردا في موقف البرادعي، وتكررت في حواراته تعبيرات إيجابية من نوع الدعوة إلى 'ثورة الناس'، وتأكيد إعلانه أنه مستعد للتحرك مع الناس من أجل تغيير الدستور، ورفضه الترشح للرئاسة عبر السيناريو الرسمي العبثي والمزور، أكثر من ذلك، فقد استخدم الرجل تعبير 'النظام غير الشرعي' في وصف نظام مبارك، وهو تعبير انفرد به بيان 'كفاية' في مقام الترحيب بعودة البرادعي.
ونظن ـ وهذا اعتقادي الشخصي ـ أن البرادعي أمامه فرصة كبيرة، وبحسب اعتبارات أبرزها مقدرته على التخلص من وصاية كهنة أحاطوا به سريعا، ويقدمون أنفسهم للرأي العام كأنهم الوكلاء المعتمدون للرجل، ويرددون أفكــــارا غايــة في الكلاسيكية والعقم، ومن نوع تدبيج بيانات تطالب مبــــارك بتعديلات في الدستور، والدوران في الحلقة المفرغــــة إيــــاهـــا، والتي تهدد بتضييع فرصة البرادعي، ولسبــــب ظاهر، فنـــظام مــــبارك لن يقدم على أي تعديلات في الدستور، وحــــتى موعد إجــــراء انتخابات الرئاسة الديكورية في 7 ايلول/سبتـــمبر 2011، وحتى لو فعلها افتراضا، فسوف يكون الأمــــر تكـــرار ســـقيما لما جرى في تعــــديل 26 شباط/فبراير 2005، وفي تــعديلات 26 آذار/مارس 2007، فلديه ـ أي النظــــام ـ أغلبية ميكانيــــكية مزورة في المــجالس التمثيلية، ولديه قوافل من ترزية الدستور والقوانين، والذين سبق أن فعلوها، وعدلوا الدستور على مقاس العائلة بالضبط، وأصدروا دستورا يقنن صيغة 'الديكتاتورية العائلية' إلى يوم يرحلون، وهو ما يعني ـ ببساطة ـ أن طريق المطالبة بالبيانات مسدود تماما، ويسد الطريق على إضافة حقيقية تليق بوزن البرادعي، وبزخم أشواق التغيير المعلقة برقبته واسمه.
ما العمل إذن؟، لايبدو السؤال محيرا، والجواب من جنس الاستقبال الحماسي الذي حظي به البرادعي في مطار القاهرة، وهو ما يعني ـ ببساطة ـ اللجوء لقوة الناس وليس عطف الحراس، وتبني تصور التغيير الممكن وليس الإصلاح المستحيل، والابتعاد عن أوهام تجميل أو ترقيع النظام غير الشرعي القائم، ونقطة البدء كما يقول بيان كفاية هي 'أن مقاطعة ألعاب النظام شرط جوهري لجدية أي حملة سياسية تهدف للتغيير'، فقد انتهت حكايات انتخابات النظام إلى تعيينات إدارية، وإلى ألعاب هزل وأفلام كارتون، والمطلوب: دعوة أطراف المعارضة الجدية لمقاطعة السيناريو الرسمي لما يسمى انتخابات البرلمان وانتخابات الرئاسة، وفتح الطريق لسيناريو شعبي يقوم على خطة 'البديل الرئاسي' وليس 'المرشح الرئاسي'، وفي صورة 'رئيس مواز' أو 'مجلس رئاسي مواز'، يدير حملة مقاومة سلمية واسعة، تتضمن سلاسل من التوكيلات الشعبية والإضرابات والاعتصامات والمظاهرات السياسية، وبهدف جامع 'هو تنحية نظام مبارك، وإقامة دستور جديد بجمعية تأسيسية منتخبة إنتخابا حرا في نهاية فترة إنتقالية تبدأ بإطلاق الحريات العامة ' بحسب النص الحرفي لبيان كفاية، والمعنى ظاهر، وعلاقته وثيقة بدور محتمل للبرادعي، فالرجل ـ لاعتبارات كثيرة ـ يصلح في ظني الشخصي كرئيس محايد لفترة انتقالية تعقب الانهاء السلمي لحكم مبارك، وإنهاء حكم العائلة له طريق مرور صار إجباريا، وهو الشروع في حملة مقاومة مدنية وعصيان سلمي، تبدأ من الآن، وليس انتظارا لموعد انتخابات رئاسة لا قيمة لإجراءاتها، فالمطلوب : بدء معركة الرئاسة من الآن، وعدم البقاء في خانة رد الفعل، وعدم الاكتفاء بتسجيل اعتراضات على انتخابات برلمان تحولت بعد التزوير المنهجي إلى مساخر عبثية، وانتخابات رئاسة تحولت إلى لعبة رجل واحد من عائلة القصر الرئاسي، ولا يسمح فيها لآخرين سوى بلعب دور الكومبارس، وقد رفض البرادعي دور الكومبارس الرئاسي، وربما تبقى عليه أن يقطع الطريق إلى آخره، وأن يقرر الاستقواء المباشر بعطف وقوة الشارع، وقيادة 'جمعية وطنية للشعب المصري' تضم الشخصيات العامة الراديكالية، وقادة أحزاب وحركات، وقادة الاضرابات والاعتصامات الاجتماعية، ونواب المعارضة على مدى ثلاثين سنة خلت، وهي الفكرة التي تبنتها حركة كفاية، واقترب منها البرادعي بحديثه عن 'جمعية وطنية للتغيير'.
باختصار، يبدو البرادعي في أمس الاحتياج لقرار أساسي، يتخذه باختياره وإرادتــــه، ويعكس مدى استعداده لدفع ضرائب الدور، وهي ضرائب مخفـــفة جدا في حالته قياسا إلى غيره من الراغبين في دور، فالرجل له حصــانة وسمعة دولية، ويملك أن يخاطر، وأن ينتقل من مركب التردد إلى مركــــب الشعب، وأن يصنع تاريخا ســـياسيا مجيدا، وعلى طريقة سعد زغلول الذي كان صديقا للورد كرومر معتمد الاحتلال البريطاني، لكنه قرر المخاطرة في اللحظة المواتية، وقفز إلى مركب الناس في ثورة 1919، ويمكن للبرادعي أن يكرر القصة ذاتها مع الوعي باختلاف الظروف، وأن يصبح ـ في ظني الشخصي ـ سعد زغلول الجديد، ولا يكتفي بدور المراقب أو المعلق النزيه، وقد أثبت الرجل وعيا رصينا، وصحح تصريحات سبقت أثارت التباسا، وربما لايزال عليه أن يفعل المزيد، لكن الأهم من حسن الكلام هو الاتجاه لفعل حقيقي، وحرق المسافة بين تريث الدبلوماسي ومخاطرة السياسي.
ولسنا ـ لاسمح الله ـ في وضع من يملي على البرادعي شروطا أو نصائح، بل أن دورنا ـ بمنتهى التواضع ـ هو حثه وتشجيعه على خوض المخاطرة، وتعويض الرجل عن نقص كاريزما الشخص بكاريزما الفكرة، وتحويل فرصة البرادعي إلى حدث شعبي، وجعله عنوانا لقيامة تستحقها مصر بعد طول الرقاد.
