الأربعاء 21 يناير 2026 الساعة 03:39 ص

مقالات وآراء

هل تفجر فضائح السلطة مؤامرة إسرائيلية؟

حجم الخط

بقلم: صالح النعامي

 

كعادتها سارعت السلطة لنفي الاتهامات الموثقة والمعززة بالأدلة الدامغة التي قدمها فهمي شبانة مدير أمن جهاز المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية، والمكلف بمكافحة الفساد في السلطة، رغم أن شبانة حصل على هذه الوثائق بحكم وظيفته. وأخذ المتحدثون باسم حركة فتح والسلطة يكيلون الاتهامات لشبانة متهمين إياه بالعمالة لـ'إسرائيل'؛ لأنه اختار التعامل مع قنوات التلفزة الإسرائيلية.

 

وقد تجنبت السلطة التعرض لجوهر القضية، وهي قضايا الفساد الخطيرة التي قدم شبانة بشأنها أدلة، وأخذت أبواقها الإعلامية تدعي أن توقيت تسريب هذه المادة للإعلام الإسرائيلي يمثل مؤامرة إسرائيلية تهدف إلى إرغام أبو مازن على الموافقة على استئناف المفاوضات مع 'إسرائيل'. ونحن هنا إزاء هذه القضية التي أثارت الرأي العام الفلسطيني بشكل كبير وماتزال، بودنا الإشارة إلى أن أوهى هجوم تعرض له شبانة من قبل السلطة الزعم بأن الكشف عن هذه القضايا يمثل مؤامرة إسرائيلية لإرغام أبو مازن على استئناف المفاوضات مع نتنياهو في ظل تواصل الاستيطان.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: أيهما أكثر خطورة استئناف المفاوضات مع 'إسرائيل' أم مواصلة التنسيق الأمني مع جيشها والتعاون مع أجهزتها الاستخبارية في محاربة حركات المقاومة؟.

 

إن أكثر المدافعين عن السلطة لا ينكر أن التنسيق والتعاون الأمني بين السلطة و'إسرائيل' يتواصل على قدم وساق، ولم يتوقف ولو للحظة واحدة. فإن كانت السلطة منزعجة حقاً من تواصل الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية والقدس، فقد كان الأجدر بها أن توقف التنسيق الأمني مع 'إسرائيل'.

 

لقد كان من المحرج أن يعترف وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك في وجود رئيس حكومة رام الله سلام فياض، أثناء انعقاد مؤتمر هرتسيليا، بأن التعاون الأمني الذي تبديه أجهزة السلطة أسهم في تحسين الأمن الشخصي للمستوطنين اليهود، وجعلهم يقرون أنهم يعيشون أفضل فترات وجودهم على الأرض الفلسطينية المغتصبة. يدرك القاصي والداني حجم وعمق مظاهر الفساد المالي والأخلاقي في دوائر السلطة.

 

ولمن يحاول أن يتذاكى نذكر بأن أكبر وأهم تقرير حول مظاهر الفساد في دوائر السلطة أصدره المجلس التشريعي الأول الذي كانت حركة 'فتح' تسيطر عليه. ولا مجال للعودة للمعطيات الخطيرة جداً التي تضمنها هذا التقرير، مع العلم أن مظاهر الفساد لم تتوقف، بل تعاظمت مظاهرها بعد صدور التقرير، لدرجة أن المجلس التشريعي السابق حصل على أدلة دامغة عن تورط شركات بناء تعود لوزراء ومسؤولين في حكومات السلطة السابقة في المساهمة في عمليات بناء في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وجدار الفصل العنصري.

 

من هنا فإن مسارعة الناطقين باسم السلطة لنفي ما جاء في الوثائق التي قدمها شبانة هو مجرد ضريبة كلامية فارغة من أي مضمون. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ماذا فعلت السلطة وأجهزتها القانونية والقضائية ضد الفاسدين؟. لقد ظل الفاسدون في مواقعهم، بل إن منهم من كوفئ بترقيته ليكون أكثر قدرة على النيل من المال العام. إن محاولة السلطة التشكيك في وطنية شبانة، واتهامه بالعمالة لـ'إسرائيل' خطوة دعائية بائسة.

 

فشبانة هو ضابط كبير في جهاز المخابرات العامة، وكان يشغل منصب رئيس دائرة مكافحة الفساد، وقد كلف رسمياً من قبل السلطة للتحقيق في قضايا الفساد، وقد تم تحويل الوثائق ليديه بشكل قانوني وبحكم الصلاحيات المخولة له.
 
وتزعم السلطة أن شبانة قد أقيل قبل عامين، مع أنه ظل يتقاضى راتبه من خزانة السلطة حتى الشهر الماضي. ببساطة إن محاولة شيطنة شبانة لم ولن تنجح، وحتى – لو افترضنا جدلاً – أن الحديث يدور عن عميل، فإن هذه شهادة إدانة للسلطة أن تسمح للعملاء بتبوُّء مناصب عالية وهامة.

 

ولقد أثيرت هذه القضية قبل عدة أشهر، وإن كان لم يتم التطرق للأسماء التي أوردها شبانة أخيراً، وأكدت الكثير من التقارير في حينه أن مازن هو الذي ضغط من أجل إقالة شبانة بعد أن قدم أدلة دامغة حول تورط رئيس ديوان الرئاسة رفيق الحسيني في قضايا فساد، وبعض التسريبات تؤكد أن عباس أقال رئيس جهاز المخابرات العامة توفيق الطيراوي بسبب هذه القضية.
 
إذن الذي أثار حفيظة السلطة لم يكن مجرد علمها بقضايا الفساد، بل لأن هذه القضايا ظهرت للعلن وعلى هذا النحو المحرج. يستشف من خلال تصريحات مسؤولي السلطة أنهم تحسسوا بشكل خاص من عرض هذه المواد على التلفزيون الإسرائيلي.
 
إن هذه الحساسية كاذبة ومفتعلة، وإلا لماذا حرص قادة الأجهزة الأمنية في السلطة على دعوة أطقم قنوات التلفزة الإسرائيلية لمعاينة وتوثيق عمليات اعتقال نشطاء حركات المقاومة من قبل هذه الأجهزة والتحقيق معهم، فقط من أجل أن يثبتوا للإسرائيليين دورهم في محاربة المقاومة وإخلاصهم في اجتثاثها. لماذا لا يرفض عباس إجراء المقابلات الصحافية مع الصحافيين الفلسطينيين، في حين يشعر الصحافيون الإسرائيليون وكأنهم في البيت عندما يتواجدون في ديوانه؟