بقلم: صالح النعامي
كعادتها سارعت السلطة لنفي الاتهامات الموثقة والمعززة بالأدلة الدامغة التي قدمها فهمي شبانة مدير أمن جهاز المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية، والمكلف بمكافحة الفساد في السلطة، رغم أن شبانة حصل على هذه الوثائق بحكم وظيفته. وأخذ المتحدثون باسم حركة فتح والسلطة يكيلون الاتهامات لشبانة متهمين إياه بالعمالة لـ'إسرائيل'؛ لأنه اختار التعامل مع قنوات التلفزة الإسرائيلية.
وقد تجنبت السلطة التعرض لجوهر القضية، وهي قضايا الفساد الخطيرة التي قدم شبانة بشأنها أدلة، وأخذت أبواقها الإعلامية تدعي أن توقيت تسريب هذه المادة للإعلام الإسرائيلي يمثل مؤامرة إسرائيلية تهدف إلى إرغام أبو مازن على الموافقة على استئناف المفاوضات مع 'إسرائيل'. ونحن هنا إزاء هذه القضية التي أثارت الرأي العام الفلسطيني بشكل كبير وماتزال، بودنا الإشارة إلى أن أوهى هجوم تعرض له شبانة من قبل السلطة الزعم بأن الكشف عن هذه القضايا يمثل مؤامرة إسرائيلية لإرغام أبو مازن على استئناف المفاوضات مع نتنياهو في ظل تواصل الاستيطان.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: أيهما أكثر خطورة استئناف المفاوضات مع 'إسرائيل' أم مواصلة التنسيق الأمني مع جيشها والتعاون مع أجهزتها الاستخبارية في محاربة حركات المقاومة؟.
إن أكثر المدافعين عن السلطة لا ينكر أن التنسيق والتعاون الأمني بين السلطة و'إسرائيل' يتواصل على قدم وساق، ولم يتوقف ولو للحظة واحدة. فإن كانت السلطة منزعجة حقاً من تواصل الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية والقدس، فقد كان الأجدر بها أن توقف التنسيق الأمني مع 'إسرائيل'.
لقد كان من المحرج أن يعترف وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك في وجود رئيس حكومة رام الله سلام فياض، أثناء انعقاد مؤتمر هرتسيليا، بأن التعاون الأمني الذي تبديه أجهزة السلطة أسهم في تحسين الأمن الشخصي للمستوطنين اليهود، وجعلهم يقرون أنهم يعيشون أفضل فترات وجودهم على الأرض الفلسطينية المغتصبة. يدرك القاصي والداني حجم وعمق مظاهر الفساد المالي والأخلاقي في دوائر السلطة.
ولمن يحاول أن يتذاكى نذكر بأن أكبر وأهم تقرير حول مظاهر الفساد في دوائر السلطة أصدره المجلس التشريعي الأول الذي كانت حركة 'فتح' تسيطر عليه. ولا مجال للعودة للمعطيات الخطيرة جداً التي تضمنها هذا التقرير، مع العلم أن مظاهر الفساد لم تتوقف، بل تعاظمت مظاهرها بعد صدور التقرير، لدرجة أن المجلس التشريعي السابق حصل على أدلة دامغة عن تورط شركات بناء تعود لوزراء ومسؤولين في حكومات السلطة السابقة في المساهمة في عمليات بناء في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وجدار الفصل العنصري.
من هنا فإن مسارعة الناطقين باسم السلطة لنفي ما جاء في الوثائق التي قدمها شبانة هو مجرد ضريبة كلامية فارغة من أي مضمون. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ماذا فعلت السلطة وأجهزتها القانونية والقضائية ضد الفاسدين؟. لقد ظل الفاسدون في مواقعهم، بل إن منهم من كوفئ بترقيته ليكون أكثر قدرة على النيل من المال العام. إن محاولة السلطة التشكيك في وطنية شبانة، واتهامه بالعمالة لـ'إسرائيل' خطوة دعائية بائسة.


