الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 10:18 ص

مقالات وآراء

محمود المبحوح

حجم الخط

د. عطا الله أبو السبح

ما أعلنه المحقق الإماراتي وما توصل إليه من نتائج في اغتيال الشهيد محمود المبحوح يضعنا أمام مجموعة من الحقائق :
الحقيقة الأولى : إن (إسرائيل) لا تتوقف عند حدود أو سيادات دول في طلب خصومها ، فكل أرض عليها من صدر بحقه إعدام في مؤسستها الأمنية هي مستباحة ، ولا تراعي في ذلك قانونا دوليا أو محليا ، فقد وصلت إلى سعيد حمامي في باريس ووصلت إلى عماد مغنية في دمشق وإلى محمود المبحوح في دبي وإلى خالد مشعل -من قبله- في عمان ، ولا تراعي شرعية دولية ولا شرطتها ، ولا ما يترتب عليها من أزمات دبلوماسية ، الأمر الذي يجب أن تأخذه الحركات المقاومة في حساباتها ، فلا تحبس نفسها في حدود جغرافية أو دبلوماسية ، وقد تقرر: إن الجزاء من جنس العمل.

الحقيقة الثانية : إن أمن (إسرائيل) فوق كل اعتبار ، ولا اعتبار لأمن الآخرين ، وقد ألزمت نفسها بممارسات جعلت من يدها هي الحامية لأمنها فلا تشكو أمرها لرفع ( الظلم عنها ) لأحد، ولا تستجدي 'انتربول'، ولا محكمة جنايات، ولا تنتظر أن يحمي حماها غيرها ، وترى في تلك المؤسسات أنها متواطئة مع خصومها ضد كيانها ، وبذا فقد وصلت إلى خصومها مباشرة دون التفاف ، فلا بأس أن تشحن أيخمان ثم تعدمه على الكرسي الكهربائي ، وتطارد فالدهايم؛ لتصفي حساباتها معهما بدعوى نازيتهما ، ولو بعد خمس وعشرين أو خمسين سنة من المطالبة الحثيثة ، وتنطلق من تل أبيب لتصل إلى (عينتيبي) في الكونغو لتقتل خصومها عبر سماوات دول غير آبهة لوجودها على الخريطة ؛ الأمر الذي يوجب على المقاومة أن تضع ذلك في حساباتها وترد الصاع صاعا أو نصف صاع ، لا صاعين أو ثلاثة ابتداء ، وإن استطاعت فليكن عشرة صياع .

الحقيقة الثالثة : إن الوصول إلى الهدف يحتاج إلى تدريب ودراسة متعمقة وكفاءات في أعلى مستوياتها، لا خبط عشواء ، فإن الملاحظ من خطتهم في الوصول للشهيد محمود المبحوح أن الفريق المنفذ لم يرتكب خطأ واحدا يؤدي إلى كشفهم قبل إنفاذ عملهم، وقت أعدوا لكل احتمال عدته، مع مراعاة دقيقة لأي مفاجأة ، فدخلوا دبي وخرجوا منها في ساعات معدودة ، قد حققوا - خلالها-هدفهم بنجاح لافت ، وهو ما تتسم به معظم عملياتهم، التي تأتي في رأسها عملية اغتيال عماد مغنية؛ رجل الظل المجهول لأكثر من خمس وعشرين سنة، بما يعكس مستوى التدريب والإعداد والسرية وتوظيف طاقات هائلة ( بشرية و تقنية ) الأمر الذي يوجب على المقاومة إعداد فرق على ذات المستوى بل والتفوق عليها .

الحقيقة الرابعة: إن العامل الاستخباراتي الأقوى هو ( الجاسوس) ، فلقد نجحت (إسرائيل) في تجنيد أعداد من العملاء ، واخترقت كيانات ومؤسسات؛ بما يحتم على المقاومة تنقية صفوفها والتثبت من سلامة الدوائر المحيطة ( بالشخصية ) باطِّراد ، سواء أكانت الدائرة الاجتماعية ( نووية أو ممتدة ) أو الحي أو المجتمع ، والدائرة التنظيمية في مستوياتها المختلفة وأبعادها المختلفة ، والعلاقات العامة ، ويجب إحاطة حركة (الشخصية) وعلاقاتها بأعلى درجات السرية والتكتم والجاهزية، دون إغفال أو إهمال ، فالعمل الأمني يقتضي عدم الركون إلى الثقة المطلقة أو الصدفة ، فقد ( يخون الأمين ويفرط الحريص ).

الحقيقة الخامسة : لا ينبغي أن ينصرف الاهتمام عن الموساد ، بل هو الرأس واليد والقدم ، فهو المخطط والمنفذ ، ولا ينبغي الانصراف إلى معارك جانبية ، وطلب ثارات من هنا أو هناك ، فإن كان الجاسوس ضابطا في السلطة الفلسطينية فليس معنى ذلك أنه ليس من الموساد، أو أن ضباط السلطة الفلسطينية كلهم من الموساد ، بل إن الموساد هو المسئول الأول والأخير ، ويجب أن يعامل عميلها معاملتها ، وفي إطارها ( فقط ) وهذا يقتضي من كل جهة - ومنها السلطة- أن تتنبه إلى نسيجها وكيانها، وما يخطط لها من اختراقات ويلقي على السلطة -بوجه خاص - أن تعيد النظر في التنسيق الأمني سيئ السمعة، ويجب أن تدرك أن حياة أي فلسطيني يجب الحفاظ عليها من أن تصل إليه يد القتل الصهيونية ، حتى وإن وقعت فيما بين الفلسطينيين من خصومات أو ( ثارات ) فشتان بين القصاص ( فلسطينيا ) في ساحة القضاء الفلسطيني داخل البيت الفلسطيني وبين الخيانة والجاسوسية ، كما ينبغي أن تطلق يد المقاومة، وترد للبندقية اعتبارها .

الحقيقة السادسة : إن أجهزة الأمن في دبي كانت على قدر من المسئولية والشجاعة والرقي ، فما أعلنته شهادة لها بكل ذلك ، ولكن الأمر يحتاج إلى النظر إلى مطالب حماس ، فإن لديها ما تقدمه ، وإلا لما طالبت بذلك ، فإن خبرتها في أساليب الصهاينة ومؤسساتهم وعملائهم ثرية، خاصة وأنها في اشتباك دائم معهم سواء داخل الوطن أو خارجه.

الحقيقة السابعة: يجب على الدول العربية أن يكون لها موقف دبلوماسي وأمني مع الدول التي خرج منها القتلة وتلقي عليها واجب العمل المشترك في الوصول إليهم، عبر القنوات الرسمية، ومن المؤكد أن لديها الكثير من أوراق الضغط على تلك الدول ، وإلا فلا ضمان لسلامة مصالح تلك الدول على أرض العرب.