بقلم: د. عبد الله الأشعل
تتوفر الآن لأول مرة فرص نجاح المصالحة الفلسطينية، لأن كل الأطراف المباشرة لها مصلحة فى ذلك. فالعالم العربي -المجهد والمثقل بقضاياه الفردية التي تثقل كاهل دوله كل على حدة، وبسبب إسرائيل وأمريكا أيضاً في نهاية المطاف- يود أن يرى في فلسطين صوتاً واحداً يعبر عن آمال الفلسطينيين، وكان آخر هذه الأصوات هو صوت عرفات الذي أرادته 'إسرائيل' صوتاً يخدم خط المشروع الصهيونى تنفيذاً لأوسلو، وأراده عرفات صوت الشعب المجاهد الذي انفردت به 'إسرائيل'. ولكن العالم العربي يدرك أيضاً أن عرفات انتهى هذه النهاية المأساوية لسبب أساسي، وهو نجاح 'إسرائيل' في حصره سياسياً بعيداً عن الحضن العربي، ومكانياً في محل إقامته تحت تهديد جنود الاحتلال، فذهب إلى رحاب ربه وحيداً بعد أن تخلت عنه الدعوات العربية المألوفة بالرحمة والمغفرة. الطرف الثاني في هذه المعادلة هو فتح التي أنهكها هذا الوضع، وأساءت قيادتها كثيراً إلى تاريخها، ويعبر عن فتح بحق كبار أسراها ومجاهدوها في سجون الاحتلال.
أما الطرف الثالث فهو أبو مازن الذي يسعى إلى المصالحة، وتحيطه أسئلة وشكوك بسبب توظيف 'إسرائيل' لموقعه، فلم يعد أمام أبو مازن ما يبرر به بقاءه' ولم تترك له 'إسرائيل' مايساعده على استمرار دوره، ولذلك يجب أن يفصل أبو مازن بين دوره كرئيس للسلطة التي انقضت شرعيتها منذ عام 1999، وتسير بدفعة الأمر الواقع، وبشرعية إضافية هي شرعية الانتخابات المحلية. أما الضغط على أبومازن لكي ينخرط في مفاوضات مع 'إسرائيل' حتى يعطي شرعية لأعمالها ضد الفلسطينيين، فإن هذا الدور الذي كان يمارسه في السابق لم يعد يجد له غطاء، كما أن استئناف هذا الدور يشغل أبو مازن عن الحاجة إلى المصالحة، ولذلك أجد تناقضاً في موقف من دفع أبو مازن للتفاوض والسعي إلى المصالحة، وهما متناقضان، كما أن أبو مازن لا يستطيع الانسحاب من الساحة بسبب حاجة 'إسرائيل' وأطراف أخرى لدوره. لا يجب أن نغفل أن أبو مازن يسعى إلى مصالحة تحقق له ولـ'إسرائيل' ما تريد ضد المقاومة' التي كرر أنه يؤيد فقط ما أسماه بالمقاومة الشعبية؛ أي مقاومة الهتاف والتنديد أمام أعمال الإبادة الإسرائيلية.
الطرف الرابع في المصالحة هو مصر التي يجب أن ترى المصالحة منقذا لها من الإحراج المستمر بسبب أوضاع غزة، فقد دفعت مصر الكثير في نزيف غزة، ما دامت لا تقوى على اتخاذ قرار مستقل عن 'إسرائيل' وأبومازن بشأن معبر رفح، وما دام حصار غزة في ذاته هدفاً لـ'إسرائيل' وأبومازن، حيث يأمل أبومازن في أن يؤدي الحصار إلى سقوط حماس، بينما ترى 'إسرائيل' في هذه النهاية قمة الأمل في إنهاء المقاومة لتقدمها في فلسطين، وهي الكابوس الأخير للمشروع الصهيوني.
الطرف الخامس هو حماس، ومصلحتها في المصالحة مؤكدة؛ لأن وحدة الصوت الفلسطيني تقدم حماية لها، كما أن المصالحة تخفف من مأزق المقاومة، وتدفع عن حماس الاتهام بأنها ذراع إيران وتسقط هذه التهمة التي تتذرع بها دول عربية، رغم أن أبو مازن يتهم هو الآخر بأنه ذراع 'إسرائيل' والولايات المتحدة، يحل محلهما في النيل من المقاومة، ولذلك فإن المصالحة تسقط عنه نسبياً هذه التهمة، اللهم إلا إذا تمت المصالحة على مذهب أبو مازن في تطويع المقاومة.
أما 'إسرائيل' وأمريكا، فإنهما يدعمان المصالحة إذا كانت تؤدي إلى تطويع المقاومة أو بعبارتهما تخلي حماس عن العنف أي المقاومة، واعتراف حماس بـ'إسرائيل'، وهي الأسس التي لا يزال أبومازن يصر على أنها أسس الشرعية الدولية. لاشك أن اندماج الضفة وغزة بعد كل ما جرى بين المقاومة وأبو مازن، مع استمرار التنسيق الأمني مع 'إسرائيل' والتفاوض معها، سيلحق أضراراً كبيرة بالمقاومة، بل قد تصبح المصالحة ستاراً شرعياً لإنهائها، واعتقال المقاومين واغتيالهم. وما دامت المقاومة لا تملك خلق البيئة الفلسطينية علي الأقل المناسبة لعملها كما كان أيام عرفات الأولى أي حتى عام 2002، يوم كان العرب يتسابقون على دعم انتفاضة الأقصى، وينشئون لها الصناديق المالية بالمليارات، فإن المقاومة بحاجة إلى تأمين نفسها، فلا يزال هدف واشنطن و'إسرائيل' القضاء تماماً على المقاومة، ولا تزال 'إسرائيل' أكثر إصراراً على الاستيلاء على كل فلسطين، ولا يزال العرب يتراجعون، فكيف يمكن أن نقنع النفس بمصالحة مطلوبة بإلحاح، وسط واقع تلعب فيه 'إسرائيل' الدور الوحيد المؤثر من الناحيتين السياسية والعسكرية، واقع نرى فيه رأي العين منهجين متناقضين، اللهم إلا إذا سلمت المقاومة بطريق وسط يضمن على الأقل سلامتها، ولكنه سيقلم أظافرها ويؤدي إلى انكشافها.


