د. فهمي هويدي
لم ينتبه كثيرون إلى أننا تعادلنا مع الجزائر في الفساد. وهو تعادل لا يشرف الطرفين بطبيعة الحال. لكنه فرض على الجميع رغما عنهم. إذ في حين تجري في مصر التحقيقات حول نهب الثروة العقارية المصرية في عهد وزير الإسكان السابق الدكتور محمد إبراهيم سليمان، تفجرت في الجزائر قصة نهب أموال الدولة وعائداتها النفطية خلال السنوات الأخيرة. ولم يكن «الموضوع» هو وجه الشبه الوحيد؛ لأن غموض الملابسات التي أحاطت بكل من الحدثين كان متماثلا إلى حد كبير. ذلك أن رائحة الفساد ظلت تزكم الأنوف لعدة سنوات في الجزائر، تماما كما كان الحاصل في حالة وزير الإسكان المصري. وفجأة رفع الغطاء عن ملف الفساد هناك، كما رفع الغطاء عن الدكتور سليمان في مصر. وهو ما أثار عديدا من الأسئلة الحائرة حول دوافع هذه الخطوة ومآلاتها.
الحاصل في مصر منشور على الملأ بوقائعه المثيرة والصارخة، ومفاجآته المحيرة التي كانت استقالة الوزير السابق من عضوية مجلس الشعب، وتخليه عن الحصانة البرلمانية، أحدث فصولها. لكن الحاصل في الجزائر يحتاج إلى بعض التفصيل. إذ فجأة، ودون أي مقدمات، ولأول مرة منذ ثلاثين عاما، أطلقت حملة «الأيادي النظيفة» التي كان عنوانها دالا على أنها بيان إعلان حرب على الفساد المستشري. وهو الذي كان حديث الألسن، وترددت في ثناياه أسماء كبيرة في النظام الجزائري، شملت ضباطا كبارا ومسؤولين حاليين وسابقين، في هذا السياق فتح ملف مؤسسة «سونا طراك» للنفط والغاز، التي تعد الشريان الأول للاقتصاد الجزائري. ولأنها كذلك، فقد اعتبرت الساحة الأوسع لممارسة أقصى صور النهب والسرقة. وقيل في تفسير ذلك إن كشف أوراق ووقائع الفساد الكبير في ذلك القطاع الحيوي أريد به إحراج الرئيس بوتفليقة، ووضعه في مأزق. خصوصا أنها مست بعض رجاله، ومنهم وزير الطاقة والمناجم «شكيب خليل» الذي أثار تعيينه في ذلك المنصب الحساس لغطا كبيرا؛ لأنه يحمل الجنسية الأمريكية وزوجته غير جزائرية، ووجهت إليه اتهامات كثيرة، نسبت إليه الضلوع في العديد من الجرائم المالية. آخرون رأوا أن الأمر ليس كذلك، وأن فتح ملف الفساد أريد به امتصاص غضب الشارع الجزائري الذي يئن تحت وطأة الغلاء والبطالة، في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن فضائح سرقة المال العام من قبل عناصر النخبة الحاكمة. وفي تقدير هؤلاء أن جهاز المخابرات الذي يدير البلد سعى بإطلاق حملة التطهير، والإعلان عن مكافحة الفساد إلى تصريف الاحتقان السائد، وتجنب انفجار الموقف الداخلي.
في مواجهة حملة «الأيادي النظيفة» يرى البعض أن الرئيس بوتفليقة لن يكون بمقدروه المضي في محاسبة أركان الفساد وتقديمهم للعدالة؛ لأن هؤلاء هم أركان النظام المنتفعون به.
هو ذاته الغموض الذي يحيط بملابسات فتح ملف وزير الإسكان في مصر. حيث لا يعرف أحد ما إذا كانت هذه الخطوة محاولة لتطهير صفحة النظام، والتخلص من العناصر المحسوبة عليه، والتي شوهت صورته وسيرته، وهل يمكن أن ينتهي الأمر بمحاسبته هو والذين شاركوا في نهب الثروة العقارية المصرية. أم أن هناك أهدافا أخرى من وراء ذلك؟. وإذ رجح كثيرون أن الرجل لن يحاكم؛ لأن المشاركين في عملية النهب من أركان النظام ـ تماما كما في الحالة الجزائرية ـ فإن هناك من ذهب إلى أن استقالته من مجلس الشعب أريد بها تمكينه من العودة لرئاسة شركة الخدمات البترولية التي أقصي عنها بسبب عضويته لمجلس الشعب.
هذا التشابه في نموذج الفساد الحاصل في مصر والجزائر ما كان له أن يقع بهذه الصورة لولا أن هناك تشابها أكبر وأعمق في النظام السياسي للبلدين، الذي يحتكر السلطة ويغيب الديمقراطية، بما يهدر قيمة الحساب والمساءلة، ومن ثم يوفر تربة مواتية لاستشراء الفساد وتورط أركان النظام فيه، لأن احتكار السلطة هو المقدمة الطبيعية لإشاعة الفساد واحتكار الثروة.


