الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 07:56 ص

مقالات وآراء

لماذا اغتيل المبحوح؟

حجم الخط

صالح النعامي

رغم التزامها الصمت، فإنَّ كل الدلائل تؤكِّد أن إسرائيل هي التي تقف وراء عملية اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دُبَيّ. وتنتمي هذه العملية إلى ما يُطْلق عليه جهاز الموساد الإسرائيلي الذي نفَّذ العملية 'العمليات الصامتة'، التي تتمّ مع الحرص على عدم ترك أثر وبصمات تقود إلى إسرائيل. وهدفت إسرائيل من خلال هذه العملية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، هي نفس الأهداف التي عادةً ما تراهن على تحقيقها منذ أن أصبحت عمليات الاغتيال مركبًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في صيف 1972 على يد رئيسة وزراء إسرائيل السابقة جولدا مائير بعد أن نفَّذت منظمةُ 'أيلول الأسود' عملية ميونيخ التي قُتِل فيها أحد عشر رياضيًا إسرائيليًا. وقائمة هذه الأهداف تتمثل في:

العقاب؛ فتصفية المبحوح جاءت عقابًا له على دوره في تأسيس 'كتائب عز الدين القسام'، الجناح العسكري لحركة حماس، ومشاركته المباشرة في اختطاف جنديين إسرائيليين وتصفيتهما في العام 1989. في نفس الوقت فإن تصفية المبحوح تأتي بدافع إحباط العمل المقاوِم، فبعض المعلِّقين الإسرائيليين المرتبطين بالمؤسسة الأمنية زعموا أن المبحوح كان مسئولاً عن توجيه عمليات تهريب السلاح إلى قطاع غزة. وحرصت إسرائيل من خلال هذه العملية على ردع قادة الجناح العسكري لحركة حماس الذين يحتفظون بالجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. فوفق المنطق الإسرائيلي، فإنّ عملية الاغتيال تمثِّل رسالة مفادها أنَّه بالإمكان الوصول إلى خاطفي شاليط.

في ذات الوقت فإنَّ المؤسسة الأمنية الصهيونية هدفت من خلال هذه العملية إلى ضرب الروح المعنوية لحركات المقاومة، ومحاولة بثّ روح عدم الثقة في صفوفها ودفعها للتشكيك بذاتها وقدراتها.

ويمكن القول أيضًا: إن إسرائيل هدفت من خلال هذه العملية إلى التمهيد لمناخات سياسية جديدة؛ حيث إن إسرائيل تفترض أن تؤدي عملية الاغتيال إلى ردود فعل من حركة حماس توظِّفها إسرائيل لتحقيق هدفين أساسيين، وهما: تحسين مكانة إسرائيل الدولية التي تضررت كثيرًا في أعقاب صدور تقرير لجنة 'جولدستون' الذي اتَّهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، عبر تحميل حركة حماس المسئولية عن تدهور الأوضاع الأمنية. ومن ناحية ثانية توفير مسوِّغات لإسرائيل بتوجيه ضربة لحركة حماس في قطاع غزة، لا سيما في ظلّ مزاعم تل أبيب بأن الحركة تمكّنت من الحصول على صواريخ كاسرة للتوازن الاستراتيجي القائم بين الجانبين.

ويعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي هو المسئول المباشر عن إصدار التعليمات بتنفيذ عمليات الاغتيال في الخارج على اعتبار أنَّ جهاز الموساد تابع لصلاحيات مباشرة؛ حيث تقوم ما يعرف بـ 'لجنة قادة الأجهزة' بتحديد المرشحين للتصفية، وتضمّ هذه اللجنة كلًّا من رئيس هيئة أركان الجيش ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية 'أمان'، ورئيس 'الموساد' ورئيس جهاز المخابرات الداخلية 'الشاباك'، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء. ومنذ مطلع السبعينات وحتى محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الفاشلة في عمان عام 1997 تولَّى الجيش الإسرائيلي مُمَثّلاً في وحدة 'سرية الأركان'- المعروفة بالعبرية بـ'سييرت متكال' والتابعة مباشرة للاستخبارات العسكرية- مسئوليةَ تنفيذ عمليات الاغتيال في الدول العربية، في حين تولَّى الموساد تنفيذ عمليات الاغتيال ضد الفلسطينيين والعرب في الدول الأوروبية. وقد مثلت محاولة اغتيال مشعل الفاشلة نقطةَ تحوُّل في سياسة الاغتيالات الإسرائيلية؛ إذ إنها كانت أول محاولة اغتيال على أرضٍ عربية تُنْفَّذ بأيدي 'الموساد'، حيث إن وحدة 'كيدون' التابعة لشعبة العمليات في 'الموساد' والمعروفة بـ 'كيساريا'، هي التي نفذت المحاولة، وأغلب الظنّ أنها هي التي نفذت عملية اغتيال المبحوح.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تنجح إسرائيل في استدراج حماس لموجةٍ جديدة من الفعل وردّ الفعل بشكل يخدم المصالح الإسرائيلية؟ من الواضح أن اغتيال أحد مسئولي حماس خارج حدود فلسطين يشكِّل في الواقع تغييرًا في أصول اللعبة بين حماس وإسرائيل؛ حيث إنّ تل أبيب تفترض أن حماس لا تملك البِنْية التحتية التي تؤهلها للردّ على عملية الاغتيال في الخارج، علاوة على أنّ صُنَّاع القرار في إسرائيل ينطلقون من افتراض مفاده أنّ حماس حتى لو تمكنت من القيام بعمليات ردّ ثأرية في الخارج فإنّها ستتردّد كثيرًا؛ لأنّ مثل هذه الردود ستهدِّد علاقة الحركة بدول العالم والدول العربية، بشكل يؤثر على قدرة الحركة على التحرُّك والمناورة وحشد الدعم السياسي والمادي. ولا حاجة هنا للتذكير بأنّ الموساد يستفيد من فائض القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي الهائل، والتراث المهني والتاريخ العملياتي الطويل، علاوة على حرية الحركة؛ إذ إنّ الموساد يرتبط باتفاقيات لتسهيل العمل مع الكثير من الأجهزة الاستخبارية في العالم، وليس سرًّا أن هناك تنسيقًا أمنيًا نشطًا جدًّا بين الأجهزة الأمنية في بعض الدول العربية والموساد. ومن الواضح تمامًا أن حماس بإمكانها أن تردّ على عملية الاغتيال في داخل فلسطين، لكن قادة الحركة يدركون أهداف إسرائيل التي سبق الإشارة إليها، وبالتالي فهم يؤكِّدون أنّ ردهم على عملية الاغتيال سيأتِي في الزمان والمكان المناسبين.

وتدرك حركة حماس مرامي إسرائيل من عملية الاغتيال وبالتالي فهي لن تلعب لصالحها، لا سيما أن نتنياهو كان معنيًّا بأي عمل يؤدِّي إلى إفشال المفاوضات الجارية للتوصل لصفقة تبادل أسرى بين الحركة وإسرائيل، إذ إنه من جانب يرفض التجاوب مع مطالب حماس بالإفراج عن الأسرى، وفي نفس الوقت يتعرَّض لضغوط كبيرة من الرأي العام ومن بعض المستويات الأمنية والسياسية لإنجاز الصفقة، حيث يتوقع نتنياهو أن تؤدِّي عملية الاغتيال إلى إضفاء تشدُّد على موقف حماس من الصفقة.

حتى أكثر المسئولين الصهاينة تحمسًا لعمليات الاغتيال يدرك أن هذا الأسلوب لن يؤدِّي إلى إخماد جذوة المقاومة في نفوس الفلسطينيين، فالحديث يدور أولاً وقبل أي شيء عن شعب يسعى لنيل حريته وانتزاع حقوقه، وطالما لم ينجز الفلسطينيون أهدافهم الوطنية، فإنّ السلوك العدائي الصهيوني لن يزيدهم إلا تصميمًا على مواصلة الجهاد والمقاومة.