بكل صراحة ودون مجاملات أقول أن ما قرأته هذا الأسبوع لزميلين كان مصدراً لإنزعاجي، مع يقيني التام أن ما قرأته لا يعدو كونه بدوره انزعاجاً من الواقع المؤلم الذي آلت إليه الأمور في فلسطيننا الحبيبة، لكن ومع هذا اليقين لابد من توضيح بعض النقاط الهامة حتى لا نقع في محظور التعميم وجلد الجميع بجريرة البعض الشاذ.
يحق لأي كان أن يتبنى ما يراه مناسباً من مواقف، وهذا لا جدال فيه أو عليه، ولست بحال من الأحوال في مجال الرد أو تقييم ما قرأت، ولا في وارد التشكيك بانتماء ووطنية واخلاص أحد، لكن سبب الانزعاج هو من عنوان الموضوع الأول الذي كان: ' أخجل من كوني فلسطينياً' للزميل عبد الباري عطوان في افتتاحية القدس العربي بتاريخ 24/01/2007، والثاني ما ذكره الزميل نضال حمد في مقاله بتاريخ 27/01/2007 المعنون' يا لعار بنادقكم' والذي جاء فيه: ' أصبحنا نخجل من كوننا فلسطينيين، ونكاد لا نجرأ على النظر في عيون أصدقاء شعبنا من الأوروبيين، ونخاف من حماقات القطعان المسلحة عليهم وعلى قضيتنا'.
حقيقة ورغم كل ما يحدث على ثرى فلسطين، ورغم الجرح النازف، إلا أنه لا مجال إلا أن نفخر بانتمائنا لهذا الشعب العظيم الصامد المرابط، وكلي ثقة أن هذا هو لسان حال الزميلين، وثقة أكبر أنهما يقرأن الوضع الفلسطيني بوضوح شديد، وهو ما أكده دون لبس الأستاذ نضال حمد عندما قال: ' يبدو أن طابور العملاء والمأجورين المنتشر في قطاع غزة بالتحديد وكذلك في كل فلسطين استطاع ان يسيطر على الوضع الميداني في الأشهر الأخيرة. واستطاع ان يزرع الفتنة في ارض كنعان' ، وما ذكره أيضاً الأستاذ عبد الباري عطوان في صلب موضوعه، فإن كان الأمر كذلك فلما الخجل؟ ولماذا نقف على مسافة متساوية من الطرفين؟ لماذا نحمل الضحية والجلاد نفس المسؤولية؟
يقول الأستاذ صالح بويصير رحمه الله – وهو مجاهد على أرض فلسطين وكان وزيراً للخارجية الليبية وهو من ضحايا الطائرة الليبية التي اسقطها الاحتلال فوق سيناء في السبعينيات من القرن الماضي – يقول في كتابه 'جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن':
' انحراف القلة لا يشين جهاد الشعوب ولا سمعتها، وقد مرت بمختلف الأوطان أحداث تاريخية عديدة جابهت فيها الأعداء، وبرز بين صفوفها من هادنهم أو عاونهم أو أرشدهم أو سار في صفوفهم، ومع ذلك استمرت السمعة الأصيلة مثلها الأعلى ولونها المشرق الجذاب، ...... وبالتالي لا يشين شعب فلسطين انحراف قلة منه ضئيلة ما دام تاريخ الشعب يفرض على الباحث المنصف أن يحني رأسه احتراماً لشعب صغير وقف في اعتزاز وقوة وتصميم يحارب أقوى قوتين في الأرض'.
خجل الأستاذ عبد الباري عطوان في مقاله يوم 24/01/2007 من كونه فلسطينياً، وأعلن عن استيائه مما يجري من خلال موضوعه وعنوانه، لكنه كرر ما ورد في مقاله في لقائه مساء السبت على قناة الجزيرة، لا يا استاذ عبد الباري، أعذرني وتقبّل مني فإني لا أوافقك وما هكذا تورد الإبل، عليك أن تفخر مهما كانت التحديات، وعليك أن تقف شامخاً لتقول إن من يقتلون ويعربدون ويحاولون الانقلاب على خيار الشعب لا يمثلون هذا الشعب، نعم وبكل أسف هم فلسطينيو الهوية، لكنهم صهاينة القلب والهوى، هؤلاء هم شواذ الشعب وشذاذه، أما الشعب الفلسطيني الذي ننتمي إليه لا نخجل منه أبداً أبداً أبداً.
نعم أيها الزملاء لا يشين شعبنا وجود فئة مارقة حاقدة متآمرة عميلة تريد اشعال الساحة الفلسطينية تنفيذاً لأوامر المحتل، ولا يشين شعبنا أو يجعلنا نخجل من الانتماء إليه أن يتربع على رأس هرمه السياسي أشباه الرجال، ولا يشينه ممارسات الفاسدين المفسدين.
إن شعبنا هو قدوة الكون في الصمود والتضحية، لم ننس فارس عودة أو خنساوات فلسطين، ولم تغب عن ذاكرتنا مواقف العز والفخار التي سطرها شعبنا بكافة أطيافه، وإن كان من أمر لابد منه فهو الثبات على الموقف، والوقوف في وجه الاحتلال وأذناب الاحتلال، ومواجهة الفئة الباغية، لا أن نساوي بين الضحية والجلاد، بين من يقف دفاعاً عن الحقوق والثوابت، وبين من يفرط بها جهاراً نهاراً، لا عدل في ذلك ولا منطق!
صوتكم وقلمكم أيها الزملاء هو سلاح في وجه من يتآمر على شعبنا، شدوا الهمم واشحذوا القلم، كونوا كما عودتمونا دائماً نصير المظلوم في وجه الظالم، وكونوا كما عهدناكم أصواتاً للحق في زمن ندرت فيه أصوات الحق، والأهم أن تفخروا بانتمائكم الأصيل لشعبنا الأصيل.
في شهر تموز/يوليو الماضي كتبت تحت عنوان ' حق لك أن تفخر أنت فلسطيني' وختمت بهذا القول الذي أختم به اليوم أيضاً:
لن يضيرك يا شعبي العظيم سقوط البعض، ولن تضيرك أراجيف وأباطيل الإعلام الموجه المنحاز ضدك، ولن يفت في عضدك الكلام المثبط ...... رائع أنت يا شعب فلسطين وأنت تردد قول الشاعر:
انا اقسمنا لن نركع
لن نركع ابدا لن نركع
ما دام بنا طفل يرضع
قد نبكي شوقا لا حزنا
يا كل العالم كي تسمع
فالعيش بذل لا نقبل
والموت بفخر ما امتع
قبضاتنا اصلب من حجر
أجسادنا سد بل امنع
دموع رجالنا محرقة
للطاغي بل موت افظع
يا كل العالم هل تسمع
قد عاد النجم يجاورنا
والحق غدا شمسا تسطع
وبلال قام يؤذن في احياء القدس..
أجراس العودة فلتقرع
ما عدنا نخاف البطش
ولا قصف المدفع..
قد نبكي شوقا لا حزنا
يا كل العالم فلتسمع
انا باقون الى الابد
إرفع رأسك وافخر، حق لك ذلك في زمن الخنوع والخضوع، ارفع رأسك فالراية لن تسقط، والحق لن يضيع، طالما أن شعباً عظيماً كشعب فلسطين في الخندق، حق لك أن تفخر .. أنت فلسطيني، وحق لي أن أفخر أني فلسطيني.
د.إبراهيم حمّامي DrHamami@Hotmail.com
28/01/2007


