بقلم: د. عطالله أبو السبح
لم تكد غزة تضمد جرحا إلا وتشيع شهيدا، فإذا شيعته انفتح في قلبها جرح جديد، وجراحات غزة عميقة عمق وجودها، مرت بها جيوش وبها استقرت، ثم غابت وقد تركت ما يخبر عنها لمن سيأتي بعدها، وهي الآن تمارس لعبتها مع التاريخ أو يمارس التاريخ لعبته معها .. إنها الحرب !! تبشرنا بها فضائيات وصحف وإذاعات عربية، يبشرنا بها مراسلون فلسطينيون، أسمع فيها – أحيانا – رنة زغرودة ، وأحيانا أرى فيها ابتسامة متعطل وجد – أخيرا – وظيفة ، بدأت بشائر الحرب ببناء الجدار الفولاذي الذي تعددت أسماؤه ، فهو الخانق وهو العار وهو الظالم ، بينما رأى فيه من تابع لعبة التاريخ مع غزة بأنه سيحول دون هروب المستضعفين إلى مصر - ولو إلى حين – من جحيم حرب . وقد استند المبشرون على أن نتنياهو مأزوم ؛ لقتله عملية السلام ، ( وحرد ) عباس منه ، فيرد نتنياهو بأن حربه دفاعية عن أمن (إسرائيل) ، وقد أعد لمولوده الجديد (الرصاص المصبوب 2) وتوعد غزة بالجيل الرابع للميركافاه ، والتكنولوجيا المتطورة ، والمدافع الثقيلة ، وجيش عرمرم من المشاة سيحتل غزة خلال أسبوع !! إذن أين سيذهب الفارون ؟ ومن كل حرب فارون، هم الفلسطينيون في كل مكان، وهم العراقيون في كل مكان، والصوماليون في كل مكان ، يلقون بأنفسهم في البحار والأنهار غير مبالين بالنتيجة ، التي هي حتما أهون من الفسفور الأبيض أو النابالم أو اليورانيوم المنضب ، أو صواريخ الأباتشي والمدافع الثقيلة ، إذن فلتوصد الأبواب دونهم كي لا يصلوا إلى بر الأمان ، وها هو جدار يهودي آخر ليحول دون فرار آحاد منهم أيضا وإن كان هدفه المعلن هو الحفاظ على يهودية الدولة (حسب نتنياهو) ! فهل ستسلم مصر – حسب هذا الفهم – جسد غزة إلى محرقة الرصاص المصبوب 2 ؟ أم ستتراجع بداعي الأخوة والجيرة والدين والنسب ؟ ترى هل سيقف العرب حيال ذلك وقفتهم مع بوش وقد أشعل رأس بغداد وشرد حرائرها وأطفالها وشيوخها ونهب ثرواتها ؟ هل سيكتشف التاريخ أن الكثير من أبطال ( البلاك ووتر ) هم من أبناء العروبة الميامين ، وقد أوكل إليهم ذبح من بقي على قيد الحياة من مستضعفي غزة، بعد أن يتوقف صب الرصاص 2؟ وهل سينظم فريق منهم مسيرة منددة وشاجبة ، ثم سرعان ما تنفثئ كفاقعات ماء بلا صابون ، وإذا ما بقيت فقاعة داستها بساطير جنود العروبة البواسل ، حتى يستقر النظام ؟ ترى هل ستسبق الحرب مصالحة ، ثم نرى رام الله واقفة وقد اتشحت بالسواد ، وبلا (مكياج ) تستقبل العزاء ؟ أم ستصر المقاطعة على المقاطعة ، وإذا ما صب يهود أوائل رصاصهم لبست ( تي شيرت ) مزينة بصورة نتنياهو ، لتشرع بالرقص على أنغام ( الهاتيكفا) ؟ يا ترى هل ستصدر فتاوى وفتاوى مضادة ؛ الأولى توجب ذبح غزة ، والثانية تقول بالاستحباب فحسب ، لتخدر العربان بدين ليس دينا ، ووعظ الثعالب؛ ليدخلوا في مساجلات ومعارك جانبية تنسيهم وخز الضمائر ؛ إذا ما رأوا ساقي جميلة الهباش (الصناعية) تأكلها نيران الفسفور الجديدة ؟ هل سينشغل المثقفون والمفكرون والعلماء في المقارنة بين جدار مصر وجدار (إسرائيل) ؟ وهل سيدخلوننا في معركة المصطلح : هل ما تفعله مصر إنشاءات أم جدار ؟ وما تفعله (إسرائيل) هل هو جدار أم سور ؟ وهل هناك تنسيق بين الدولتين ؟ وهل التنسيق أمر معيب أم قانوني ؟ وهل هذا التنسيق لإحكام الحصار على غزة أم لحمايتها ؟ بينما الجندي الإسرائيلي ينفذ آخر مناوراته وتدريباته للدخول إلى معسكرات اللاجئين الثمانية في غزة ؟ ترى هل سيقنع السادة المنظرون شعوبنا العربية بأن هذه الإنشاءات لن تعمق عزلة غزة، ولن تسلم رأسها للمحرقة ، وما كانت إلا لتأمين منطقة (رخوة) من الأرض المصرية، ولتأمين الأمن القومي المصري ؟ وبقي أن أجيب: إن الإنشاءات المصرية ستلهب ضمير الأجيال المصرية بسوط من لهب وبلا شفقة، بعد أن يروه على حقيقته؛ حافة الأخدود الذي أحاط بغزة قبل أن يشعل يهود فيه النيران ثم دعّوا أهلها فيه دعَّا ! أما عن الجدار اليهودي فليس بمستهجن، والمستهجن هو ما يبرر به رجالات العرب إنشاءه ! أما عن غزة فحسبها أنها ستقف بإباء وشموخ لتدفع عن العرب عار الزمان ، وستؤكد للأجيال أنها ظلت – كعادتها – سيفا على رقاب الطغاة ، وتقول لهم : ليس كل العرب مهازيل ، ولا سدنة في معبد ( يهوا ) أو بناة هيكل على أطلال الأقصى .
وأخيرا ؛ يا عرب يا مسلمون إن في الأمر فسحة ، فهيا .........أأ


