الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:29 م

مقالات وآراء

هل يعتذر عباس بعد تقرير 'الشعيبي'؟

حجم الخط

بقلم: مصطفى الصواف

  

كان لتقرير القاضي ريتشارد غولدستون، الذي ترأس لجنة التحقيق الدولية في جرائم الحرب الإسرائيلية خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، نقلة نوعية نحو التوجه إلى إدانة صريحة للاحتلال وصلت إلى حد اتهامه بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، الأمر الذي أثلج صدور الملايين من الأحرار على أمل أن تتمكن العدالة الدولية من تقديم قادة الاحتلال للمحاكم على ما اقترفوه؛ ولكن هذا العالم الذي تعاطف مع الفلسطينيين واستبشر خيرا من تقرير غولدستون صعق من قرار تأجيل التصويت عليه في مجلس حقوق الإنسان الدولي في جنيف من قبل سلطة السيد محمود عباس؛ ما أحدث زلزالا سياسيا كبيراً، وتداعيات لم تكن في حسبان عباس ولا فريق مستشاريه، وجميعنا شاهد حركة الاحتجاج الصاخبة التي أعقبت ذلك، ودفعت عباس إلى إعادة طرح التقرير على المجلس بعد عدة أيام.

 

ولكي يمتص عباس نقمة الشارع الفلسطيني وغضبه، دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق للوقوف على تداعيات التأجيل ومن اتخذ القرار وكان الأمر مجهولا، وبالفعل شكلت اللجنة برئاسة الدكتور عزمي الشعيبي، وعضوية حنا عميرة ورامي الحمد، وانتهت اللجنة من تقريرها وتوصلت إلى نتائج، وسلمت عباس التقرير، وبدوره وعد بعرضه على اللجنة التنفيذية للمنظمة، ولكنه لم يعرض ومازال في أدراج مكاتب السيد محمود عباس، ما دفع البعض إلى طرح سؤال حول لجنة التحقيق ونتائجها، ما دعا الشعيبي للخروج على وسائل الإعلام والحديث عن لجنة التحقيق وبعض نتائجها.

 

بين التقرير الكذب الذي وقعت فيه أركان السلطة والتي رمى فيها كل واحد منهم الآخر بالمسئولية عن قرار التأجيل، وخرج السيد عباس لتحميل قرار التأجيل إلى أطراف عربية وإسلامية، ليكشف التحقيق عدم صدقية هذا الادعاء.

 

وأوضح التقرير أن الأمور كانت تسير بشكل يدعم تقديم التقرير إلى مجلس حقوق الإنسان حتى لقاء عباس في واشنطن مع أوباما ونتنياهو، وبعدها كان طلب تأجيل عرض التقرير، رغم أن الوفد الفلسطيني أشار إلى الدعم والتأييد، وهذا ما يخالف تبريرات عباس للتأجيل، ويقول الشعيبي:' منذ 16/9/2009 حتى تاريخ 28/9/2009 كان الموقف الفلسطيني يسير بمستوى مندفع وثابت في جنيف، بدعم وتأييد كافة أصدقاء الفلسطينيين، وبدون أي مشاكل'.

 

ويضيف الشعيبي:' قبل تاريخ 1/10/2009 كان الموقف الفلسطيني يسير على ما يرام، وفي اليوم التالي حدث طلب التأجيل، حيث تم عقد اجتماع بين الفريق الفلسطيني، والمجموعات الداعمة للقرار الفلسطيني(العربية ، الإسلامية، الأفريقية، عدم الانحياز)، حيث قام إبراهيم خريشة بإبلاغهم أن القيادة الفلسطينية، وبناءً على تقديراتها ارتأت أن تتخذ قرار التأجيل ، وبالتالي ذهب مندوب باكستان نيابة عن الجميع ، وأعلن طلب تأجيل التصويت على القرار لشهر آذار 2009.

 

وهذا عكس ما ادعاه عباس بأن التأجيل جاء من قبل المجموعات الإسلامية والعربية، والذي تؤكده لجنة التحقيق أن طلب التأجيل اتخذه الفريق الفلسطيني في جنيف.

 

هذا الأمر كان معروفا لدى الجميع، رغم كل ما قيل، ورغم كل التبريرات ومحاولة البحث عن كبش فداء، وكان معلوماً لكل الأطراف أن من اتخذ قرار التأجيل هو السيد عباس، وأنه وحده من يتحمل المسئولية الكاملة، هذه الحقيقة اعترف بها محمود عباس أمام لجنة التحقيق، وعلل السبب بالضغط الأمريكي، ويقول الشعيبي في ذلك:'لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس، استمعت إلى شهادة الرئيس عباس، على مدى ثلاث ساعات ، حيث قال إنه هو الذي طلب التأجيل، وهو الذي يتحمل المسؤولية عن ذلك..'

 

وما خلصت إليه اللجنة، أن عباس لم يكن لديه تقدير للنتائج التي يمكن أن تترتب على قرار التأجيل، وكذلك لم يكن هناك تقدير لأهمية التقرير عند محمود عباس، وحساسيته بالنسبة للجانب الإسرائيلي، واعتبر الشعيبي أن قرار السيد عباس كان قرارا خاطئا وحمله المسئولية الكاملة.

 

ويؤكد الشعيبي على أن محمود عباس تعهد بنشر نتائج التقرير على الرأي العام بعد عرضه على اللجنة التنفيذية رغم انعقادها بعد تسلم التقرير مرتين، ولكن مع الأسف نقول إن السيد عباس لم ينشر التقرير أمام الرأي العام الفلسطيني، فهل ستأتي اللحظة التي يعلن فيها عباس التقرير على الشعب الفلسطيني؟ ووفقا لنتائج التحقيق هل سيعتذر عباس عن الخطأ الذي ارتكبه وعن سوء تقديراته وانصياعه للضغوط الأمريكية والرغبات الإسرائيلية؟

 

هذا الاعتذار هو أقل ما يمكن أن يقدمه محمود عباس  للشعب الفلسطيني، فلا نريد أن يقدم استقالته، أو يعتذر لمن اتهمهم وحملهم تبعات قراراته الخاطئة والضارة بحقوق الشعب الفلسطيني والتي كان تقرير غولدستون واحداً من أصغر الأخطاء التي ارتكبها ومازال يرتكبها.