الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:45 م

مقالات وآراء

نحن ومصر

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

 

لا يشك عاقل في أن ما جرى على الحدود المصرية ليس في مصلحة القضية الفلسطينية على وجه العموم ، وليس في صالح قطاع غزة على وجه الخصوص ، وليس في صالح حكومة الشعب الفلسطيني ومن ورائها حركة حماس على وجه الأخص.

 

أولا: فإن مصر دولة عربية لها دور فاعل منذ أن كانت القضية الفلسطينية ، فآلاف من الرجال المصريين قد قضوا نحبهم على أرض فلسطين أو لأجل فلسطين أو بسببها، وهناك من القادة المصريين الذين كانت لهم أياد طاهرة بيضاء قد أعطوا بسخاء للقضية في مختلف مجالات العطاء ، ويأتي في أولها التضحية والفداء ، ثم المجال العلمي والأكاديمي والصحي والاقتصادي ، وفي المقابل فإن الآلاف من الفلسطينيين يعيشون على أرض مصر وبين أبنائها ، لهم ما للمواطن المصري إلا المشاركة السياسية وعليهم ما عليه ، وقد نبغ منهم الكثير في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والإعلامية والصحفية ، فلا يجوز بحال أن يبدي مصري ندما على ذلك ، ويتنصل من هذا التاريخ الناصع لهذا الفداء، كما لا يجوز أن ينساه فلسطيني ويتلسن عن جهل أو غيره بألفاظ لا تؤيدها حقيقة ، ولا يشهد لها منطق ، ولتتوقف كل المساجلات والمهاترات الإعلامية فورا ، لأن ذلك يجافي المصلحة العليا لمصر ولفلسطين ، وينبغي الاستماع لصوت الحق والعقل ، باستصحاب كل ما هو جدير بالتذكر ، وعدم النسيان أو النكران أو الندم ، بل لا بد من تعزيزه والإضافة عليه .

 

ثانيا: فإن مصر لم تتخلف يوما عن حمل القضية الفلسطينية في المحافل الدولية والعربية ، وكان الملف الفلسطيني بين يدي الساسة المصريين ، ولعلنا نذكر أدوار وزراء الخارجية المصريين وهم ينافحون عن القضية الفلسطينية بصلابة ووعي ، ولا ينكر ذلك إلا من جهله أو لم يعايشه ، فمن محمود فوزي إلى محمود رياض إلى محمد إبراهيم كامل الذي ترك منصبه بإباء عندما أحس بالتغول اليهودي على القضية الفلسطينية في كامب ديفيد ، ناهيك عن عشرات الآلاف من المثقفين والأكاديمين الذين تخرجوا في الجامعات المصرية مسلحين بإلمام كامل بالقضية ؛ تاريخا وصراعا وحقائق بوثائق وإحصائيات تدحض الافتراءات الصهيونية وعدوانيتها ، وقد يكون العمل الموسوعي للراحل عبد الوهاب المسيري عملا مصريا غير مسبوق ، وستمضي سنوات وسنوات كي يلحق به عمل آخر ، ولا أظن أنه سيتجاوزه ، ولقد حملت مصر بمختلف أطيافها  السياسية وأحزابها وجماعاتها القضية الفلسطينية إلى كل منابرها ومحافلها ؛ توعية وتنويرا وتثويرا ، وشعب مصر هو الذي أفشل التطبيع رغم قرابة ثلاثين سنة على هذا السلام الذي ينعته المثقف المصري (بالبارد) ، ولا تزال الكثير من الشخصيات الاعتبارية وحتى الرسمية تنعت الكيان الصهيوني عند مرور ذكره ( بالعدو) حتى ليصل الأمر بالسفارة الإسرائيلية أن تكون زنزانة معزولة تضم السفير وموظفي السفارة ، وينظر الشعب المصري إلى زائريها نظرة ريبة واحتقار تصل إلى درجة الاتهام بالعمالة والجاسوسية ، وها هي مصر تضطلع بملف المصالحة الفلسطينية وملف شاليط ، وحسبها أنها لم تتوقف عن بذل الجهد فيهما لتحقق فيهما مصلحة الشعب الفلسطيني، مع الحرص ما أمكن ألا تفرط في حق أو تهمل مطلبا ، وإن تباينت الرؤى والمواقف . ثم إن مصر هي البوابة الوحيدة التي يلجها الشعب الفلسطيني ليتواصل مع العالم ، نعم إن إغلاق المعبر أمر ضار جدا بهذا الشعب ، ويزيد في معاناته ، وإن ما تقوله مصر بأنها تفتحه بين الفترة والأخرى هو صحيح ، ولكنه لا يحقق الحد الأدنى مما ينبغي أن يكون المعبر فيه مفتوحا ، إلا أن هذا القدر ( ما دون الحد الأدنى ) لا غنى عنه ، ويسهم بالتخفيف من المعاناة إلى حد ما ، وهذا ما لا ينبغي إغفاله أو التهوين منه ، ومن ثم تأخير فتحه بالكلية لسبب هنا أو لسبب هناك.

 

ثالثا: وهذه ثالثة الأثافي ، فما كان لمصر أن تتعامل مع حماس سياسيا وعسكريا بما تتعامل به معها ، فقد فازت حماس في انتخابات 2006 وشكلت حكومة شرعية، ومصر من خلال سفارتها ولجنتها الأمنية بقيادة اللواء مصطفى البحيري ثم اللواء برهان حماد قد رأت حماس تمثل الشرعية ، وعلى هذه الشرعية قام الانفلاتيون بعرقلة كل ذلك وتعطيله . وبرز سؤال لم يجد له أي مراقب جوابا : لماذا رفضت مصر أن تتعامل مع حكومة حماس ( المنتخبة ) ؟ ولماذا لم تستقبل رئيسها إسماعيل هنية؟ في الواقع إن هذا الأمر قد فاقم كثيرا من الإشكاليات ، وولد كثيرا من المشاعر السلبية لدى الطرفين ، ووجد فيه الخائضون مجالا للخوض ، ولو لم يكن لما كانت أحداث الشريط الحدودي المؤسفة أبدا ، ولفاتت الفرصة على الانفعاليين أن يمسكوا بحجر من هنا أو هناك ، فضلا عن رميه ، ولاستحال أن تسقط قطرة دم واحدة لا إزهاق روح.