بقلم: مصطفى الصواف
شغلني يوم الخميس الماضي كثيرا، يوم كان مفعماً بالمشاعر الجياشة والمتبادلة بين الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وبين مشاعر المئات من المسلمين والعرب والأحرار من أوروبا وأمريكا، الذين وصلوا مع شريان الحياة (3)، بقيادة النائب جورج جالاوي، مشاعر فاقت التصور، وربما أخافت الكثيرين ممن يرون فيها علامات على عجزهم وضعفهم، فكانوا لا يريدون أن تصل هذه المشاعر إلى غزة, ولا إلى شعوبهم التي تابعتها منذ لحظات انطلاقها وحتى وصولها إلى غزة، حتى لا تشعرهم بعقدة الذنب من الذين حاولوا وضع العراقيل أمامها، بل زادوا في تعاملهم الفج معها، وقاموا بضرب أعضائها، فأصيب خمسة وخمسون بجراح مختلفة وكسور في أيديهم، ووصلوا إلى قطاع غزة ودمهم باق على أجسادهم، بل إن البعض منهم خيط جرحه في غزة.
وتفسيري الوحيد لما جرى للقافلة، أو تلك التي حوصرت في القاهرة واعُتدي عليها أيضا من قبل الأمن المصري، وتُركت في الشوارع حتى تم ترحيلها خارج مصر، أن الحكومة المصرية وهي تقوم بتشديد الحصار وبناء الجدار، لا تريد أن يرى الشعب المصري العريق المشاعر الفياضة التي يُستقبل بها أولئك الذين جاءوا إلى غزة للتضامن معها، أو أولئك الذين كانوا يريدون التعبير عن شعورهم وغضبهم من العدوان الإسرائيلي على القطاع.
مشاعر جياشة عبر عنها الأتراك، الذين بدا حبهم للفلسطينيين يفوق بكثير مشاعر مَن ينتسب إلى فلسطين، صراخهم كان من الأعماق ودموعهم غزيرة، ومنهم من يرغب بالبقاء في القطاع، لم أنس ( فيفا فيفا فلسطين) وهم يرددونها ومن معهم من عرب وعجم.
لم يختلف الأردنيون في مشاعرهم، ولعل ذلك العجوز صاحب الثمانين خريفاً كان خير سفير للأردن وأهله، وكان في القافلة زميل صحفي من صحيفة السبيل الأردنية، ولضيق الوقت المسموح لهم، سألته: ماذا تريد عمله من ناحية صحفية، قال: أريد اللقاء ببعض الشباب ممن شاركوا في صد العدوان الإسرائيلي الأخير، بحثنا ولم يطل البحث وذهبنا والتقينا بشابين في العشرينيات من العمر، بل أحدهما لم يتجاوز العشرين بعد، وكانت مشاعرهما وهممهما عالية وذاكرتاهما ما زالتا تعيشان الحدث وكأنه وقع قبل لحظات.
تحدث الزميل واستغرق الحديث ساعات طوال، وتحدثا عن المواجهات والبطولات ولحظات الموت والبطولة والشهادة والدمار والمواجهة، وكل ما جرى من محطات خلال الأيام الاثنين والعشرين التي عاشاها لحظة بلحظة، سلمهما الله ومازالا حييْن من بين الشهداء الذين استشهدوا على ارض المعركة.
لفت انتباهي معاذ والذي لا يزال في التاسعة عشرة من عمره، وكان قبل عام لم يتجاوز الثامنة عشرة، تحدث قليلا، ولكن ما لفت انتباهي تلك الحادثة التي تحدث عنها، وكان واثقا من نفسه، ويتحدث بجرأة لم تكن لدى من في عمره، قال: وسط المعركة وفي أيام الاجتياح البري طلبت القيادة مني وزميل أن نذهب إلى مكان ما للحصول على حزامين ناسفين، ونذهب إلى بيت مفخخ ونكمن فيه، خاصة أن القوات الإسرائيلية الخاصة كانت تتمركز في البيوت، وكان الهدف هو تفجير نفسيهما والبيت في القوات الخاصة حال دخولها، ومضت ساعات وأيام ولم يحدث المخطط، ولكن ما أثار انتباهي، أنهما عندما وصلا إلى مكان الأحزمة لم يجدا إلا حزاماً واحداً، عندها شد كل واحد منهما به، معاذ يقول أريده، وزميله يقول له لا أنا أريده، وهما يعلمان أن نهاية تفجير الحزام، ومعنى تفجير الحزام تفتيت الأجساد، معناه الموت.
ابن الثمانية عشر عاماً يُقبل على الموت كمن عاش عمراً مديداً فما عاد للحياة معنى عنده، وما تبقى منها هو تحصيل حاصل، شاب يحلم بالزوجة والحياة والرغد، يترك كل ذلك ويتنافس هو وزميله ليس على فتاة يحبها، أو طعام يشبع به بطنه، إنه التنافس على الشهادة في سبيل الله، التنافس على الموت، نعم، إنه نعم التنافس، مصداقا لقول الله تعالى ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
مثل عظيم نقف أمامه كثيرا، ونفكر به ونقدمه إلى كل من ينظر إلى الأرض ولا يقبل النظر إلى السماء، إلى العلياء، كلام وحدث الواثق من نفسه الممتلئ بثقة الله، المقدم على عمل فيه الموت، ولكنها الحياة في الآخرة شهيدا ، الحياة في الدنيا بكرامة.
انصرفنا من عندهما لنواصل بعد ذلك المسير إلى حيث المرابطين على الثغور، فكان شعور الضيف عظيماً ولقاؤه بهما يحُسد عليه ليس على الدنيا ولكن على أن يكون مثلهما، فكانت رسالتهما أن بلغوا عنا وادعوا الله لنا بالثبات والتمكين.
