الجمعة 06 فبراير 2026 الساعة 03:35 ص

مقالات وآراء

طبيب يداوي الناس و هو عليل ( 1-2)

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

   

كثيرون هم الذين يفزع إليهم الناس ليحلوا لهم مشاكلهم، ويستنصحوهم، وإذا رجعوا إلى منازلهم وجدوا فيها من التعقيدات ما يحتاجون إلى مئة مصلح و مثلهم من الحكماء الناصحين ليأخذوا بأيديهم إلى الحل ، و كثيرون هم المفتون الذين لا يلزمون أنفسهم بما يفتون به غيرهم . و كثيرون هم أصحاب المـُثل و المبادئ الذين يتنصلون من مبادئهم عند أول اختبار حقيقي ، بينما تلاميذهم و من تشربوا منهم مثلهم و مبادئهم يموتون من أجلها . و قد لمس أدبنا هذا لمسا جارحا بقوله :

 

لا تنه عن خلق و تأتي مثله           عار عليك – إذا فعلت – عظيم

 

أما الصنف الأول: فأمر طبيعي ألا يخلو بيت من اختلاف ، و مهما يكن المشترك بين الزوج و زوجه فلن يصل إلى درجة التطابق ، فطبيعة تكوين الرجل غيرها بالنسبة للأنثى ( و ليس الذكر كالأنثى ) و أقلها اختلافهما في التعاطي مع المختلف فيه ، فقد يكون أحدهما انفعاليا و الآخر ليس كذلك ، بل يتروى حتى يصدر حكما ، الأمر الذي قد يؤدي إلى تبرم أحدهما بالآخر ، و لكن مع دوام العشرة يقترب كل منهما من الآخر، فلا الانفعالي يبقى على شدة انفعاله، ولا المتروي يظل بطيء التعاطي مع الحدث، وتتولد قناعات مشتركة بضرورة التغاضي و الصبر حتى لا يعكر أحدهما صفو نفسه ، و ليس بالضرورة أن يحرص على عدم تعكير صفو الآخر ، ولأن البشر لم يتزودوا بالقدرة الكافية على النفاذ إلى نفوس الآخرين و الشق على صدورهم ، كما أنهم ليسوا بالمؤهلين بمعرفة نواياهم و الحكم عليها ، وإنما لهم الظاهر ، فإن أي سلوك من قول أو فعل من أحدهما يقع في دائرة القبول ، و لو بحده الأدنى ، سيخفف من حدة الرفض من الآخر ، و تمضي الحياة بلا عقد ، و لا يحتاج الأمر إلا إلى شيء من الصبر و التعقل ، التي بهما يمكن أن يتفهم الدوافع الإنسانية والظروف المحيطة سواء كانت شخصية أو موضوعية لتجعل منه أكثر تسامحا وانسجاما مع ذاته أولا ثم مع الوسط .

 

ومن المؤكد أن ( الولد ) له دور كبير في الوصول إلى هذه النتيجة، فهو المشترك الأعظم بينهما ، والجامع الأقوى للعلاقة النفسية والجسدية وحتى الروحية، إذ أن كليهما – لا شك – حريص على توفير حياة هانئة بلا منغصات له في الحاضر أو في المستقبل، فهو الحكيم الذي يرسخ لهما القناعات بضرورة التعايش منذ صرخة الحياة الأولى التي تصدر عن صدره الصغير، بل يجعل منهما أكثر تقاربا و تفهما وإعذارا لبعضهما، وأكثر تقديرا للمسئولية ، و قد يقول قائل : ليس بالضرورة ! سأقول : نعم ، ولكن الأغلب ما ذهبت إليه ، بل و إلى أبعد منه ، فالولد - في الغالب - يمثل صمام أمان من طلاق بين الزوجين يكون محتما لولا وجوده لهما ، وبدونه فإن هناك من الأحزان المتجددة و الخوف من المستقبل و الاضطراب النفسي الذي يعتري الزوجة أشد مما يعتري الزوج ، تجعل كلا منهما أقل ميلا للتصبر ، و أكثر ميلا للتسخـُّط و الرفض ؛ مما يفضي – في أحسن الظروف – إلى التفكير في ( تأمين الحياة ) و كثرة الطلبات التي قد تصل إلى درجة الابتزاز ، و ما يقابله من حلول استرضائية ، و تنازلات ، مما يفقد الحياة طعمها المأمول أن يكون أكثر لذة و قبولا و رضا . هذا في البيت ، فإذا ما خرج إلى الحياة فإنه الحكيم الذي يُسقط من تجاربه و أفكاره في حل مشاكله على الآخرين ، و فعلا فإنه كثيرا ما ينجح فيما أخفق فيه في بيته ، ولأنه حـَكـَم و علاقته بالآخرين مؤقتة ، فقد تجد حلوله من القبول مالا تجده في بيته ، و قديما قالوا : (زمار الحي لا يشجي ) أي لا يطرب.

 

يتبع...