الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 12:51 م

مقالات وآراء

تافه و لا يسوى

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

     

بعض الشخصيات مقززة حتى الغثيان، و باعثة على التقيؤ، فلو سكتت دهرا خير من أن تتكلم حرفا لأن الحرف يدعم باطلا أو يغري بعدوان، مثل ما يصدر اليوم من تصريحات مؤيدة لبناء الجدار من فلسطينيين، و يزداد الإحساس بالتقزز بازدياد اهتمام وكالات الأنباء و وسائل الإعلام بها، و من الملاحظ أن هؤلاء يتكاثرون تكاثر الديدان في مستنقع آسن، ويتبارون في نشر قرفهم طمعا في إرضاء السادة صناع القرار، وهذا النموذج ليس بدعاً في التاريخ ، بل ذكره القرآن و أكده، فشخصية السادة تتمثل في فرعون ذلك الحاكم المستبد المتفرد المغرور هي مكرورة في التاريخ ولن تنجو منها أمة من الأمم وما نجت، و في الغالب تكون على أياديها سقوط نظامها الحاكم و زوال أثرها إلا من بعض صفحات في ( قصة الحضارة ) و قد ذكر (ويل ديورانت) عشرات من الفراعين في شرق الدنيا وغربها، ففرعون كان ملك مصر، و الأنهار تجري من تحته و بلغ من الجبروت و الظلم أن يتوعد من لا يعبده كإله بالتقتيل و التصليب و تقطيع الأيدي و الأرجل من خلاف فقال : ' ما علمت لكم من إله غيري '  و ' أنا ربكم الأعلى ' و ' و لأصلبنـَّكم في جذوع النخل ' و ليس على جذوعها ؛ إذ أراد أن تبتلع النخلة المصلوب لشدة ضغط الحبال على جسده ، و لكن العقيدة التي رسخت في صدور المؤمنين جعلتهم يستخفون بالوعيد ، و لا يبالون بالنتيجة مرضاة لله ' إقض ِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ' فماذا كانت النتيجة ؟ زوال فرعون و ملكه ، و هذا ما تمثله أجهزة أمن قوى الاستكبار و البغي في مطاردتها للذين يقولون لا لتلك القوى بأمر من الفرعون .

 

 أما النموذج الثاني فإن القرآن ذكره أيضا و أكده ، وأيضا هي شخصية مكرورة ، و لن تنجو منه أمة و ما نجت ، تلك شخصية قارون العميل الثري و الجاسوس للنظام المستبد ، و الذي يضحي بكرامته و قومه و حريته ، فيقبض ثمن كل ذلك ذهبا و قصورا  و وزارة و زينة و بهرجة ؛ فيصدق ( الأبعد ) نفسه أنه شيء ، و هو أتفه من التفاهة وأحقر من الحقارة ، فقد قال الله في قارون : ' إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ' فقد خرج عن صفهم ؛ جبنا و خيانة ، و انقلب عدوا فاتكا غارقا في شهواته مطأطئا خانعا للحاكم صامَّا حواسه عن النهج الطاغوتي الذي يمارسه ( الحاكم ) على أهله و محارمه ووطنه ، فماذا كانت النتيجة ؟ لقد غار قارون ومن استقوى به ، و لا تزال سيرته مقززة تثير الغثيان و الاحتقار و تبعث على التقيؤ .

 

أما النموذج الثالث فهو نموذج العميل السياسي الذي يزين للحاكم المستبد ما يريد و يرى ، و يضفي شرعية على كل سلوك مشين و حقير يريده سيده ، فيهز له ذيله ليؤكد له صوابية (إرادته ) ، حتى وإن طغى و افترى ، حتى وإن تطاول على رقاب العباد ، وأذل الأحرار ، حتى وإن طاول الله – عز وجل – إنه هامان ' فأوقد لي يا هامان على الطين  فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ، وإني لأظنه من الكاذبين ' فابتسم هامان ابتسامة لزجة تافهة مقززة ، و زيـَّن لفرعون سوء عمله ' و كذلك زُيـِّن لفرعون سوء عمله و صد عن السبيل و ما كيد فرعون إلا في تباب ' هذه الشخصية لن تنجو منها أمة و ما نجت ، و لكن ماذا كانت النتيجة ؟ إن الله أغرق الطاغوت و أزاله و ملكه و ابتلعت الأرض قارون و محاه عن الوجود و داست أقدام المستضعفين وجه العميل التافه الحقير هامان .

 

هي الصورة المكرورة في كل زمان و مكان ، و لأن شعبنا ليس بدعا من الشعوب ، و ليس أمة منفردة من الأمم فإن فيه فرعون الطاغية المستبد و الدكتاتور الذي بلغ في صلفه و جبروته أن يعمل على إزالة معارضيه من الوجود فضلا عما يفعله بمن وصلت يداه إليهم منهم  من تصليبهم في جذوع النخل و التقتيل و التحريق ، هو نفس السلوك الفرعوني ' قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ، إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ، فلأقطعن أيديكم و أرجلكم من خلاف ، ولأصلبنكم في جذوع النخل ، ولتعلمن أينا أشد عذابا و أبقى ، قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات و الذي فطرنا ....' إلى أن قال المولى ' إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها و لا يحيا ، ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأؤلئك لهم الدرجات العلا ' فيا أيها الفرعون الحقير مهلا ، ويا أيها القارون الأحقر اتعظ ، وأما أنت يا هامان فأنت التفاهة و الحقارة ، تافه و لا تسوى ، وأخزى الله من أخزانا.