بقلم: د. عطالله أبو السبح
استوقفتني جملة قالها السيد إسماعيل هنية في خطابه، أمس، حيث قال في معرض حديثه عن أفعال البعض وأقوالهم: (العنف لا يقتل فكرة) أو كما قال أو قلت هذا صحيح، بل وأذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فإن العنف يحيي الفكرة ويعززها وتصبح منهج حياة، ومصدر تحدٍّ، نعم قد يحني هامات الرجال إلى حين، ولكن سرعان ما ترتفع تلك الهامات، وتثور وتشعلها غضبا من تحت أقدام الطغاة، وإلا لما انهارت دول وممالك، ولما أطيح برؤوس وعروش، ولبقي نيرون ملكا، ولبقي ستالين وموسولويني وهتلر، ولبقي فرانكو وشاه إيران، (فدار الظالمين خراب )، ولا أبقى على حياة الزعيم من إتاحة الحريات و فتح النوافذ، والحرية فطرة الله و لا يعاندها إلا جاهل غبي ولا يثق في نفسه، مهزوز الأركان والوجدان، ولأنها خرجت من فم أبي العبد فإن المتلقـِّي... كل متلقِّ مستبشر أن مرحلة جديدة ستحل؛ ملامحها الحرية في إبداء الرأي وإن كان معارضا، والحرية في التعبير بلا كاتم صوت أو لجام، والتوقيع على المقالة بالأسماء الصريحة لا المستعارة، وإن كان هناك خلاف في الرأي أو الموقف فلتحقيق المصلحة العامة على اتساعها ورحابتها.. لا الخاصة على ضيقها واختناقها، نعم؛ إن العنف لا يقتل الفكرة ولكن عقمها هو الذي يقتلها، فإذا لم تلقـَّح الفكرة من أخرى فلا يمكن أن تتوالد أو تتجدد أو تتعدد، ولماتت أو تخشبت في صدور أصحابها، فلعل من المتلقين من يسأل: سلمنا أن فئة ما في الضفة الغربية تحاصر فكرة حماس وتسجنها وتعذبها وتعمل على نسفها؛ مما يزيد أبناء حماس بها تشبثا ثم فداء وتضحية، ليدخل أصحابها مع ملاحقيها في جولة مكاسرة، هي التي يحذر منها أبو العبد، ويدعو إلى كلمة سواء، فلماذا يجري على أرض غزة؟ لقد سمعت السؤال من جاري، فلقد جاءت جيبات ثلاث تـُـقلُّ ملثمين، وروعوا جيراناً لنا، لإضاءتهم شموعا في محيط شرفة المنزل، فأمروهم بإطفائها؛ يقيناً منهم أنها احتفالية بانطلاقة فتح!! وعقـَّب جاري: في هذا الفعل أكثر من خطأ:
الأول: لماذا يأتون على هذه الهيئة؟ إذ كان يكفي شرطي واحد، أو يوعز لأحد الجيران بأن يتحدث إليهم أن هذا أمر مرفوض، فيما لو سلمنا أنه مرفوض.
الثاني: لماذا يأتون ملثمين؟ فظاهرة التلثيم تبعث الرعب وعدم الطمأنينة، وتـُستغل كمادة للقيل والقال فيما يضر في النسيج المجتمعي، ويزرع الأضغان والإحن.
الثالث: كانت الكهرباء مقطوعة في تلك الليلة، بالتالي فإن إضاءة الشموع فعل مبرَّر، ويمكن ألا يـُحمل على أنه (للمناسبة).
الرابع: لم يـُعهد على رجال هذا البيت أي مشاركة في الانفلات، أو إثارة الشغب، ومن كان هذا شأنه فينبغي ألا يتعرض له أحد ، فضلا عن أنهم من رواد المساجد من قبل ومن بعد، وممن يشهدون صلاة الفجر (وأقول: وأشهد بذلك) بل إنهم ممن لا يقرون على باطل ولا يسكتون عن منكر صدر عن بعض أصحاب الأسماء (من فتح) التي دار حولها لغط كبير.
وللحق وافقت جاري على ما ذهب إليه، فإن الحريات المنضبطة تولد السلوك المنضبط، وإن كاتم الصوت يجعل من الصدور تغلي كالمرجل، والذي يتحرك في الضوء يراه الناس كل الناس، فيأمنه عدوه قبل صديقه، وأما من يتحرك في جنح الظلام أو في قبو فإنما يتحين الفرص للانقضاض، و يقضي يومه تآمرا وتثبيطا وتحشيدا وتخابرا، ولا أرى أن إطفاء شمعة هو تعطيل لخاصية الاحتراق لديها ، فلو تــُركت لذابت وانطفأت، وما التفت إليها من أحد، أما وقد جاءها الملثمون فقد صارت ( حدوتة ) ما كان أغنانا عنها!! ويمكن أن يـُقاس عليها غيرها؛ من كلمة هنا ورأي هناك، وراية هنا وراية هناك، ففي الوطن ما يسع الجميع، والنظام يضبط الجميع.

