الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:49 م

مقالات وآراء

محكمة العدل الدولية والجدار الفولاذي

حجم الخط

بقلم: د. عبد الله الأشعل

 
أُريد أن أبدد التباسًا خطيرًا عند بعض القرَّاء والمسئولين العرب حول الفوارق الحاسمة بين الجدار والأسوار التي بُنيت في مراحل تاريخية مختلفة، والظروف التي تجعل بعض هذه الجُدُر تتلامس أو تتقاطع مع القانون أو الأخلاق أو غيرهما من الضوابط؛ فسور الصين العظيم عملٌ بطوليٌّ قام به الشعب الصيني لحماية الصين من هجمات الأقوام المجاورة، وأصبح هذا السور من المعالم الأثرية والسياحية التي يفخر بها الصينيون، وكان سور برلين مؤشرًا على الانقسام بين الشرق والغرب، وخطًّا معنويًّا يفصل بين شطري ألمانيا الشرقية والغربية، وليمنع الألمان الشرقيين من الهروب من الجحيم الشيوعي إلى الجهة الرأسمالية.

 

وعندما فكر شارون في إنشاء الجدار العازل الذي تُسميه 'إسرائيل' جدار الأمن ويسميه الفلسطينيون جدار الفصل العنصري -وهي تسمية غير دقيقة- فإن هذا الجدار تواكب مع إجراءات 'إسرائيلية' وأمريكية قضت على الانتفاضة، وهي التي منعت استمرار العمليات الاستشهادية ضد 'إسرائيل'، وفي نفس الوقت كان الجدار يتمدد، وترتب على ذلك أن 'إسرائيل' كعادتها خلطت الأوراق، فقد أوضحت الإحصاءات أن الجدار هو الذي منع هذه العمليات، والصحيح أن هذه العمليات لم تعدْ ممكنةً بسبب تجفيف منابع الدعم المادي والسياسي والمعنوي وإعلان السلطة الوطنية أنها تنسق مع 'إسرائيل' لإحباط أية عمليات ضدها تحت قيادة الجنرال الأمريكي ديتون، والوظيفة الحقيقية لهذا الجدار هي ابتلاع الأراضي الفلسطينية وفرض المزيد من عوامل الفناء على سكان الضفة الغربية والقدس الشرقية، على ما صورته تقارير المنظمات الدولية، وعندما عُرضت قضية الجدار على محكمة العدل الدولية كان التركيز فيها من الجانب العربي على أن الجدار يُبنى في الأرض المحتلة بالمخالفة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، وأن هذا الجدار يمزق الأراضي الفلسطينية، وأنه يلحق أضرارًا فادحة بالسكان الذين حُرِمُوا من أراضيهم والتي صودرت لبناء الجدار؛ فضلًا عن التمزق الأسري ومشاق الوصول إلى المزارع والمدارس بسبب الجدار.

 

وقد عالجت المحكمة العليا 'الإسرائيلية' بشكل رمزيّ بعض هذه الآثار؛ لكي تثبت أنها الأحق بنظر القضية، وأن 'إسرائيل' تراعي الجوانب الإنسانية للفلسطينيين، ولكن المحكمة 'الإسرائيلية' قرَّرت صراحةً أن لـ'إسرائيل' الحق في بناء الجدار، أما محكمة العدل الدولية فقد أصدرت رأيها في 9 يوليو 2004م الذي أكد على عدم قانونية بناء الجدار، وألزم 'إسرائيل' بوقف البناء وهدم ما بُني، وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار.

 

أمَّا الجدار الفولاذي المصري فإنه يتم بناؤه داخل الأراضي المصرية، ولذلك التبس الأمر على المسئولين المصريين وبعض الفئات من الشعب المصري؛ لأنه ما دامت الدولة تبني داخل أراضيها فلا تثريب عليها، وأن سبب إدانة 'إسرائيل' في بناء الجدار العازل هو أنها تبنيه خارج أرضها، وهذا التقابل هو ما حذَّر منه الأستاذ عباس العقاد من أن الوزن ممكن أن يكون ذهبًا كما يمكن أن يكون ترابًا، فالعبرة بما يوزن وليس بوحدة الميزان.

 

في حالة 'إسرائيل' قرَّرت المحكمة أنها تنتهك عددًا من أحكام القانون الدولي التي تحكم العلاقة بين الدولة المحتلة والإقليم المحتل، أما إذا عُرض الجدار المصري الفولاذي على المحكمة طلبًا لرأي استشاري كما حدث مع جدار 'إسرائيل' فالمؤكد أن المحكمة سوف ترفض الدفوع المصرية التي ترى أنه من أعمال السيادة، وقد تستخفّ المحكمة بالدفع الخاص بأنه من أسرار الدولة؛ لأن المعلومات الخاصة بالجدار متاحة ومعلنة من جانب الأطراف التي تبنيه، ورغم أن هذه الأطراف تبني على أرض مصرية وبأيدي مصرية ولكن بتصميم وتنفيذ وتمويل ومعدات وإشراف أمريكي؛ فإن المسئول الأول هو مصر، وفي مجال المساهمة الجنائية سوف تكون الولايات المتحدة.

 

ومن المؤكد أن المحكمة الدولية سوف تستعرض المرجعيات القانونية التي تجرّم الجدار الفولاذي، وترجع كلُّها إلى نقطتين:

 

الأولى: أن غزة أرض محتلة تترصدُها 'إسرائيل' وتعلن رغبتها في القضاء عليها.

 
الثانية: هي أن مصر هي المنفذ الوحيد لغزة على العالم الخارجي، ولذلك فإن احتجاج بعض المصريين بأنه لماذا مصر وحدها التي تُنتَقد؟ ولماذا لا يشمل النقد الدول العربية الأخرى؟ وأن مصر هي التي ضحت من أجل فلسطين.. هي حجج تنطوي على عدم إدراك لهذه النقطة، ولذلك فإن نفس النقد سيوجه إلى أية دولة تقع على الخريطة مكان مصر، ولن يعفي مصر من النقد إلا احتلال 'إسرائيل' لسيناء؛ حتى تحيط بنفسها بغزة من الجهات الأربع، وربما كان هذا الاعتبار في خلفية الموقف المصري الذي يخشى أن تطبق 'إسرائيل' المثل القائل: 'بيدي لا بيد عمرو'، أي أنه إذا لم تكن مصر قادرة على إحكام الحصار لإبادة غزة فإن 'إسرائيل' تقوم بذلك بنفسها بالسيطرة على حدود مصر مع غزة، ولا يكفي 'إسرائيل' ما هو متاح لها الآن من سماح كامل من جانب مصر بالتحرك بحرية مطلقة على الجانب المصري من الحدود؛ لأن أعمال السيادة ترتبط بالإرادة وليس بشكل التصرف الذي يبدو انتهاكًا خارجيًّا لهذه السيادة.