الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 06:53 ص

مقالات وآراء

احتمالات (2-2)

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

 

هناك احتمالات ثلاث تكتنف هذا الجدار, وقبل طرحها فالظاهر بأن مصر ماضية في بنائه, ولا يعتريها تردد، ولن تثنيها ضغوط أو مناشدات أو استغاثات؛ لثلاثة أسباب واضحة المعالم:

 

أولاها : أن صانع القرار وضع خطة بناء الجدار وبقي التنفيذ، وخطته بناها على قناعات غير قابلة للطعن أو الاستئناف أو النكول.

 

ثانيها : ليس لديه الاستعداد أن يستمع إلى ما يتناقض مع قناعاته ويعرقل تنفيذ خطته ، فهو الأدرى بها والأحرص ، فكل ما يتناقض معها أو يعرقلها فإنه ( مدان ) بعدم العمل للصالح العام الذي يعمل له صاحب القرار,

 

ثالثها: إن التراجع عن المضي يعد تراجعاً أمام ضغط ، وبالتالي هزيمة تأباها نفسه خاصة إن كان من قوى أو جهات غير مرضي عنها ابتداء، بل مرفوضة، ومن هنا ، فإن من المحتم أن تمضي مصر في بناء الجدار حتى يتم ، وهنا نرجع إلى الاحتمالات :

 

الأول : أن يبنى الجدار فعلاً ، وقد جنح الإعلام – وخاصة الصهيوني – في تضخيمه ، وتعددت الروايات والرؤى ، ولكن المؤكد أن هناك جداراً فولاذياً ، وأن هناك مياهاً ولم يتأكد – بعد – مصدرها ، ليحقق الأهداف التي وضع من أجلها ويأتي في مقدمتها الحيلولة دون دخول السلاح – وهو أمر له ما بعده – فالهدف رأس المقاومة ، ورأس رأسها ( حماس) ، فإذا تحقق هذا أفسحت الطريق لقطار التسوية النهائي ، وبالصيغة التي صاغتها رايس، وتوافقت مع صياغة بيريس في كثير من ملامحها ( شرق أوسط جديد وشرق أوسط كبير ) تضمن الهيمنة للصهاينة على المنطقة، وثرواتها وصناعة القرار فيها ، ولن يطول عناء القطاع من حيث حاجياته الأساسية، الطعام والكساء والدواء، فتفتح المعابر تدريجيا إلى أن يتحقق ( الرفاه) .

 

الثاني : ألا تمضي مصر في البناء ويتطلب ذلك إبرام حلول أو اتفاقيات تطيل من أمد الهدنة أو التهدئة ، مع ضمانات للمصالحة الفلسطينية على أمل إخراج حماس من البوابة التي دخلت منها إلى الساحة السياسية، ومن ثم تغييبها ، وهنا أيضا إفساح الطريق أمام قطار التسوية ليمضي في طريقه المرسوم وحسب الصياغة نفسها ، ولا مانع من معارضة ( ديمقراطية ) سلمية جدا ، كتلك التي يمارسها الشعب الفلسطيني في بلعين ونعلين ، ولا مانع أيضا في الذهاب إلى آخر الدنيا لرفع قضايا ودعاوى، ولا مانع أن تصدر فيها توصية لصالح ( النضال الفلسطيني ) كتلك التي صدرت في لاهاي بعدم قانونية جدار الفصل العنصري في الضفة بينما المخطط الصهيوني يسير بخطى واثقة وثابتة وحثيثة في تهويد الضفة ، كل الضفة الغربية ، إلا من تجمعات سكنية فلسطينية ( جيتوهات) يمكن السيطرة عليها أمنيا بدورية مكونة من جيب أو مجنزرة في أصعب الأحوال .

 

الثالث : أن يقاوم الشعب الفلسطيني ذلك الجدار ، وقد يسلك في ذلك إحدى سبيلين :

 

السبيل الأولى : أن يحفر أنفاقا تصل إلى أعماق الأرض ، ويجد علاجا ميكانيكيا للمياه وقنواتها ، وقد يضطر إلى صهر الفولاذ ، وإحداث اختراقات فيه ، وفي هذه الحال سيتبقى عدد محدود من الأنفاق ، وفي المقابل التضييق الشديد في السماح للمساعدات ، وعرقلة حركة المسافرين ، وإطالة المدة بين فتح المعبر وإغلاقه وإعادة فتحه ، وقد يترتب على ذلك مزيد من المعاناة ، مع ملاحقات وحواجز لمنع مرور البضائع بنشر نقاط تفتيش ، وفرض عقوبات وغرامات .

 

السبيل الثانية : أن يحكم الإغلاق والحصار لتعود الأمور إلى حالتها الأولى ، فلا طعام ولا دواء ولا وقود ، حتى توشك أن تتوقف الحياة ، مما يدفع الفلسطينيين إلى هبة جماهيرية هائلة ، تؤذن بالانفجار ، وهذا ما لا ترغب فيه مصر ، ولا أطراف في الجامعة العربية ، وإن كان يرضي أطرافاً فلسطينية ، وعندئذ سيكون التعاطي معها حسب طبيعة تلك الهبة وأدواتها ، وأخشى أن يخطط لها ( بالبناء للمجهول ) لتصل إلى الصورة التي تتعامل بها كل من اليمن والسعودية مع الحوثيين ، مع فارق في الجغرافيا والسكان والأهداف.

 

إذن ؛ ما الحل ؟

 

بمراجعة الاحتمالات الثلاثة ، فإن أهداف الجدار غاية في التعقيد ، لاصطدامها المباشر مع أهداف  المقاومة ، ومشروعها ، ولكن يمكن التخفيف من آثارها بما يلي:

 

1-    التعجيل في المصالحة الفلسطينية ، برعاية مصرية ، وعلى الأسس التي تحقق أفضل النتائج بأقل الخسائر.

 

2-    التعجيل في إنجاز صفقة التبادل بمشاركة فاعلة من الأسرى.

 

3-    الإلحاح الدبلوماسي على فتح المعبر كأساس شرعي لحركة التجارة والأفراد بشكل مستمر أو شبه مستمر ، ولن يحول دون ذلك حائل إذا ما تحقق 2،1 .

 

4-    التعجيل في تشكيل حكومة وحدة وطنية ، تقلع بمشروع البناء والإعمار.

 

5-    إطالة أمد التهدئة بما لا يتنافى مع الثوابت الفلسطينية ، والحق في المقاومة.