بقلم: ياسر الزعاترة
أنهت حركة المقاومة الإسلامية 'حماس' قبل أيام 22 عاماً من عمرها، وهي التي تأسست في 14/12/1987، مع العلم أن لحظة التأسيس هنا تختلف عنها في الفصائل الأخرى، إذ لم تتشكل الحركة من عدد من المؤسسين ثم توسعت بعد ذلك، كما هو حال الفصائل الأخرى، بل ورثت تنظيماً بأكمله كان يتطور باضطراد طوال ثلاثة عقود تحت مسمى الإخوان المسلمين، بدأ بإعادة التدين إلى المجتمع الفلسطيني والتبشير بالمشروع الإسلامي، قبل أن يغدو حركة مقاومة شاملة.
ومنذ تأسيسها شكلت حماس، إلى جانب شقيقتها الجهاد، الواجهة الثانية للحركة الوطنية الفلسطينية، وهي واجهة انسجمت تمام الانسجام مع طبيعة القضية ومكانتها في الوعي الجمعي للأمة العربية والإسلامية، بوصفها قضية مقدسة ذات أبعاد دينية، وقد منح الدور الفاعل للحركة دفعة كبيرة للحركات الإسلامية التي عانت كثيراً من سؤال وجودها ودورها في القضية المركزية للأمة.
من هنا، وتبعاً للتراث الرائع الذي قدمته حماس على صعيد البطولة والتضحيات، إلى جانب النموذج السياسي والأخلاقي الملتزم، فقد حظيت بمكانة رفيعة في الوعي الجمعي للأمة لم تحظ بها أية حركة سياسية أو دينية محلية في التاريخ الإسلامي الحديث، ولو سألت أي شاب أو كهل أو امرأة في الساحة العربية والإسلامية عن الحركة لما عجز عن سرد أسماء شهدائها ورموزها الكبار من الشيخ الشهيد أحمد ياسين إلى عبدالعزيز الرنتيسي وقبله يحيى عياش، الأمر الذي لن تعثر على مثله في أية حالة أخرى.
لقد صاغت حماس ثقافة المقاومة والاستشهاد في وعي الأمة، كما شكلت أحد أهم الروافع للظاهرة الإسلامية، وتربعت - ولا تزال- على عرش الحركة الأهم في الوعي الجمعي للأمة رغم ما تثيره بعض النخب المناهضة لبرنامج المقاومة من غبار حولها، وقد يكون من المناسب القول هنا إن الانقسام الحقيقي حول حماس لا يتوفر سوى في الساحة الفلسطينية لاعتبارات تاريخية وموضوعية، بينما لا يحدث ذلك خارج فلسطين، وحيث لا يحظى منافسوها سوى بالحد الأدنى من الحضور، ربما بسبب سيادة الفكر الإسلامي والتدين والبعد الديني للقضية برمتها.
في هذه المرحلة على وجه التحديد طرحت وتطرح أسئلة كثيرة حول حركة حماس ومستقبلها، كما يدور جدل حول مواقفها منذ الانتخابات التشريعية مطلع 2006، مروراً بالحسم العسكري منتصف 2007، إلى جانب أخطاء وقعت خلال سيطرتها على القطاع.
وما ينبغي أن يقال ابتداءً هو أن الحركات الكبيرة وذات الحضور المميز في وعي الجماهير لا تتراجع بهذه البساطة التي يصورها البعض بسبب بعض الأخطاء السياسية، فكيف إذا كانت أخطاء فرضتها سياسة الأطراف الأخرى التي رفضت الاعتراف بفوز الحركة في الانتخابات! ولا شك أن مهرجانات الحركة السنوية التي تضم مئات الآلاف، والأخيرة من ضمنها، تشكّل رداً مفحماً على كل تلك الأصوات التي تتحدث عن تراجعها، مع العلم أن جماهيرية الحركة في الضفة تبدو أكبر تبعاً لما تعرضت له من مظالم، وما قدمته وتقدمه من تضحيات.
حين تتمتع حماس بمرتبة العدو الأبرز للكيان الصهيوني ومن ورائه الولايات المتحدة، وتتعرض لأبشع أنواع الحصار، فمن الطبيعي أن تواصل الجماهير انحيازها إليها، فكيف حين يواصل منافسوها نهجهم السياسي العبثي، فيما يطاردونها بطريقة شرسة، ومن دون وجه حق في الضفة الغربية؟
وثمة أخطاء وقعت فيها الحركة خلال العامين الأخيرين، بعضها في الخطاب، وبعضها الآخر في الممارسة، وهي أخطاء تستحق المراجعة، لاسيما أنها جميعاً جاءت بعد مشاركتها في انتخابات سلطة أوسلو في ظل استحالة الجمع بين الحفاظ على تلك السلطة وبرنامج المقاومة، مع العلم أن استمرار الحركة في رفع راية المقاومة لم يكن ليتوفر لو كانت تسيطر على الضفة، ثم ها هي تضطر أخيراً إلى التهدئة لتدبير معيشة الناس في القطاع.
كل ذلك لا يغير في حقيقة أن حماس قد قدمت خلال مسيرتها تراثاً هائلاً من البطولة والتضحيات، كان آخرها ذلك الصمود في مواجهة العدو خلال عملية الرصاص المصبوب، وهو تراث لا تقلل من أهميته بعض الأخطاء التي وقعت، والتي لن تلبث الحركة أن تتجاوزها بوعي وحكمة لتؤكد من جديد صدارتها لنضال الأمة، وليس الفلسطينيين وحدهم في مواجهة الهجمة الصهيونية الأميركية الشرسة عليها.


