بقلم: محمد سـلامة
في العاشر من كانون الأول ديسمبر من كل عـام تحتفل الدول والأنظمة باليوم العالمي لحقوق الإنسـان الذي أُقر في العاصمة الفرنسية باريس عـام 1947م , بالتوقيع على وثيقة تتضمن 30 حقا, تكفل لكل فرد التمتع بحقوقه الإنسانية من قبل الأمم المتحدة التي رعت هذا الاتفاق, وفي هذا الأيـام تعمل الهيئات الخاصة بحقوق الإنسان على إصدار تقريرها السنوي لرصد التزم الدول والأنظمة بالوثيقة التي تم تعميمها.
وسريعا وبدون أي تلكؤ تتجه الأنظار إلى الأراضي الفلسطينية كونها منطقة تتعرض للاحتلال الإسرائيلي منذ ما يربو على الـ60 عاما, للنظر في مدى احترام وثيقة حقوق الإنسـان من قبل كيـان يلوح بشعـار الديمقراطية ويزعم أنه الوحيد الذي يتبناها في المنطقة, فما أبرزُ الانتهاكات التي تم رصدها في عـام 2009 في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟
ما يميز هذا العـام عن غيره من الأعوام أنه شهد تدهورا مقلقا وفاضحا في أبسط حقوق الإنسـان, كحق الحياة والعبادة والأكل والعلاج والتعبير, وغيرها من الحقوق الديمقراطية التي ذابت بحرارة الدم والنـار, ففي مطلع العـام المنصرم نفذت قوات الاحتلال حربا عسكرية مدمرة أطلقت عليها اسم (الرصـاص المصبوب), طالت الأخضر واليابس, ولم يسلم منها أحد, ما أدى إلى تناثر أرواح المواطنين الأبرياء التي أزهقت بلا ذنب في الأزقة والشوارع, وتدمير العديد من المؤسسات الدولية والطبية والصحفية, حيث استعملت فيها شتى أنواع الأسلحة المحرمة دوليا, حتى إن تداعياتها السلبية لا تزال ماثلة للعيان لمن أراد أن يزور غزة, وبغض النظر ما إذا كانت الحرب لها أسباب ومسببات بين أطراف الصراع, تبقى هناك أعراف وقوانين اعتمدتها أمم لحماية حق الإنسـان, والذي يهمنا نحن هو المواطن الذي كفل له القانون الدولي حق الإنسـانية، ماذا جرى له في غزة؟
بعد الحرب العالمية الثانية عندما اتضح حجم الفظائع التي ارتكبت بين أطراف الصراع، توافقت الآراء داخل المجتمع الدولي على وجوب صياغة وثيقة أممية تُحدد فيها حقوق الإنسان بشكل كاف, فلمـاذا نجد المجتمع الدولي يغض الطرف عن حرب قاسية استهدفت مدنيين, وحصـار تواصل لأكثر من 4 أعوام، جراء ممارسة شعبٍ لحقه في الإدلاء بصوته في انتخابات شهد العالم أجمع بنزاهتها عام 2006, والذي أنهك مقومات الحياة الأساسية, حتى وصل الأمر إلى أن يموت المريض على سريره دون أن يجد علاجا أو أن يتمكن من السفر, والعودة إلى مقومات عصر أكل عليها الزمن, مثل ضوء الشموع, والطهي على الحطب.
وبالتـالي أعتقد أن المواطن الفلسطيني وهو جزء من البقعة التي تتعرض للاحتلال من كيان يعلن احترامه لوثيقة حقوق الإنسـان، أعتقد أنه مستثنى من هذه القـائمة! وإلا كيف نفسر تواصل بناء جدران إسمنتية يحتفل العـالم بإزالتها من بلدان عانت ما تعانيه الضفة الآن؟ هذا الجدار الذي واصل الاحتلال بناءه, مغتصبا بذلك مساحات واسعة من أراضي المواطنين, ومانعا لآلاف السكان من التواصل مع بعضهم البعض وعازلا القرية عن مؤسستها التعليمية ومكان عبادتها, ضاربا عرض الحائط بكل الدعوات الدولية المطالبة بتفكيكه وإزالته.
ليس هذا فحسب، فكل ذلك يهون عما يجري داخل الأرض المحتلة عـام 1948م, فالذين يعيشون هناك لا يملكون أي حق أصلا, جراء القوانين المجحفة التي ما فتئت إسرائيل تصـادق عليها, بحق أكثر من مليون شخص يرزحون تحت مزاج العقلية الصهيونية, فتـارة يُجبرون المواطنين العرب على الاعتراف بيهودية الدولة, والتنكر لحقهم الأصلي, مقابل الحصول على خدمات زهيدة, وتارة يسعون إلى عبرنة الأفكـار العربية, إما بالتحكم في منهـاج التعليم الدراسي كحظر مصطلح النكبة, أو بتغيير أسمـاء الشوارع العربية إلى عبرية, وأخرى بمنع المصلين من العبـادة داخل الحرم القدسي وحتى حظر رفع الأذان في المساجد خوفا من انزعـاج اليهود وهم نيـام!
هذا بالإضـافة إلى عشرات الفتـاوى العنصرية شبه الأسبوعية التي يُصدرها حاخامات صهاينة تبيح قتل العرب, وكل من لا يدين باليهودية حتى ولو كان طفلا لم تنبت بعدُ أسنـانه ليأكل من ثمر حصاد والده إذا أينع؛ فأحلوا لأنفسهم سرقته وتسميم آبار مياهه.
فأي حيـاة تلك يحياها شعب فلسطين بلا حقوق رغم مرور أكثر من ستين عاما على اعتمادِ وثيقةٍ من مجلسِ أمنٍ يصمت عند حق هذا, وينتفض لمجرد رفع صوت هناك, فوق أرض مسلمة محتلة خوفا من انتهاك حق لمجموعات اغتصبت أرضا وقتلت أهلها وانزعجت من كلمة الله أكبر.
عـام مضى شاهد على سوءة الأمم وانحيازها في تطبيق العدالة الدولية التي نقشت شعـارها الخـالد (الحقوق تؤخذ ولا تمنح), ستبقى هذه العبـارة على مدى الزمـان مرهونة بالتجربة الفلسطينية, (من لا يحترم حقوق الآخرين.. فلا ينتظر أن يُحترم).
