بقلم: صالح النعامي
بَاتَ في حكم المؤكد أن تجربتَيْ كلٍّ من فتح وحماس في الحكم قد انتهتا إلى فشل كبير ومدوٍّ، وسواء أسفرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة عن فوز حركة حماس أو حركة فتح، فإن المصلحة الوطنية في الحالتين مرشحةٌ لمزيد من التراجع، لا يمكن لحركة فتح مواصلة الحكم بعدما أفلس البرنامج السياسي الذي على أساسه خاضت انتخابات عامي 1995 و2006، وتهديد أبو مازن بالاستقالة هو خير دليل على ذلك، لقد كانت حصيلة 16 عامًا من التفاوض هو قضم المزيد من الأرض الفلسطينية عبر الاستيطان والتهويد، وفي المقابل لا يتوقع أن تغيرَ إسرائيل والإدارة الأمريكية من سلوكها، وبالتالي ستبقى الأسباب التي حدَتْ بعباس للتهديد بالاستقالة قائمة.
من هنا سواء استقال أبو مازن في النهاية أو ترشح مرة أخرى فإن حركة 'فتح' لن تكون قادرة على تحمل المسئولية الوطنية في هذه الفترة تحديدًا، حيث إن جميع الأسماء التي يتم تداولها داخل حركة 'فتح' لخلافة عباس تتبنَّى نفس توجهاته السياسية، وبالتالي فإن تبوُّءَ أيٍّ منها مقاليد الأمور خلفًا له سيكون وصفةً لتكريس الوضع القائم، وفتح المجال بالتالي أمام إسرائيل لمواصلة فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض، لا سيما وأن ذهنية كل من عباس والمرشحين لخلافته تستبعد من حيث المبدأ فكرة التصادم الواضح مع السياسة الإسرائيلية، ولا مجال هنا لحصر الأمثلة الكثيرة التي تؤكد ذلك، ويفتقد أبو مازن والمرشحون لخلافته الأهلية للحكم، ليس فقط لاستلابهم لخيار المفاوضات العبثية، بل بسبب جملة الارتباطات المصلحية لهؤلاء مع إسرائيل والإدارة الأمريكية التي تقلّص من قدرتهم على اتخاذ قرارات مستقلة في صالح الشعب الفلسطيني.
من ناحية ثانية فإن حركة 'فتح' طورت نموذجًا في الحكم يقوم على الفساد والمحسوبية، وهو ما لم تتمكن من التخلص منه رغم أن فشلها في الانتخابات الأخيرة كان بسبب هذا النموذج الفاسد.
وفي المقابل، وللأسف فإن حصيلة ثلاثة أعوام في الحكم، تدلل على فشل مدوٍّ وصارخ لتجربة حركة حماس في الحكم، لقد شاركت حماس في الانتخابات وشكَّلت حكومتها الأولى بناءً على افتراضات مضللة ثبت زيفُها، ودفع الشعب الفلسطيني لقاءَ ذلك ثمنًا باهظًا.
لقد سوَّغت حماس مشاركتها في الانتخابات على اعتبار أنها لا تجري في ظل قيود أوسلو، وإن كان هذا الزعم غير صحيح ابتداءً، فإن تجربة الحركة في الحكم دللت بشكل واضح على أن قطاع غزة لا يخضع فقط بشكل تام لقيود 'أوسلو'، بل إن إسرائيل بإمكانها ابتكار قيود أخرى أشدّ وطأة، وتتحكم تل أبيب في كل شيء في قطاع غزة برًّا وجوًّا وبحرًا، وخير دليل على ذلك الحصار المفروض منذ أكثر من عامين ونصف.
ولم تؤيد الوقائع على الأرض ادّعاء الحركة أن مشاركتها في الانتخابات سيعمل على حماية خيار المقاومة، وقد كان أكبر مصدر للفشل بالنسبة لحماس الافتراض بأنه بالإمكان الجمع بين الحكم ومقاومة الاحتلال، فالحكم يفرض على الجهة الحاكمة السعي لتأمين متطلبات الحياة الكريمة لمواطنيها عبر تقديم الخدمات المختلفة، لكن لما كانت القدرة على تقديم الخدمات تعتمد بشكل أساسي على الإرادة الإسرائيلية ونوايا تل أبيب 'الحسنة'، فقد مثل حكم حماس فرصة بالنسبة لإسرائيل لممارسة الابتزاز، فردَّت على عمليات المقاومة بتعطيل الخدمات التي يمكن للحكومة في غزة أن تقدمها، وهو ما أجبر حماس عمليًّا على وقف المقاومة.
وعلى الرغم من أن حماس لم تتنازلْ عن أي من الثوابت الوطنية، إلا أن وجودها في الحكم وفَّر بيئة مناسبة لتحلل قيادة السلطة من مزيد من الثوابت الوطنية، وإن كانت قيادة السلطة -بتحريض من دايتون- هي المسئولة بشكل أساسي عن الانقسام الداخلي، فقد بات واضحًا أن وجود حماس في الحكم دفع فريق التسوية للارتماء في أحضان الإسرائيليين، وعلى سبيل المثال فقد كان التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة على قدمٍ وساق منذ أن تشكلت السلطة، لكنه قطع شوطًا هائلًا مع حدوث الانقسام الداخلي، وبسبب الانقسام الداخلي لم يعدْ أحد يتصدى للمخاطر التي تتعرض لها القضية الوطنية، لا سيما القدس واللاجئين والأسرى وغيرها.
ومن المضحك والمبكي في آنٍ أنه في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تصادر أراضي الضفة وتهوّد القدس كان ممثلو جميع الفصائل منشغلين في جدل بيزنطي حول نظام الانتخابات، نسبي أم دوائر!!
وطالما كان هناك انقسام، فإن الحديث عن انتفاضة ثالثة هو محض أوهام، ولو كان الانقسام الداخلي على هذا الحال عام 2000 لما اندلعت انتفاضة الأقصى.
إذن فإن وجود حماس في الحكم أفرز بيئةً غير حاضنة للمقاومة والالتزام بالثوابت الوطنية.
في نفس الوقت لقد شاركت حماس في الانتخابات بناءً على افتراض مفاده أن العالم العربي سيوفر عمقًا استراتيجيًّا لقطاع غزة، وقد كان من الخطأ الانطلاق من هذا الافتراض على اعتبار أن تحمس الأنظمة العربية لإفشال تجربة حماس في الحكم لا يقلّ عن تحمس إسرائيل لذلك، فآخر ما يعني الأنظمة العربية أن ينجح الإخوان المسلمون في الحكم، وهي التي تناصبهم العداء.
رغم كل ما تقدم، فإنه يبدو أن هناك مخرجَيْن لا ثالث لهما من هذا الواقع الْمُزري، الأول يتمثل في حلّ السلطة الفلسطينية وإعادة خلط الأوراق من جديد وبشكل تام، لكن هذه الخطوة تحتاج إلى توافق فلسطيني كامل، ناهيك عن أنها قد تشتمل على مخاطرة كبيرة وغير محسوبة.
أما الخيار الثاني فيتمثل في إعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني من خلال كسر ثنائية حماس فتح الضارة عبر تشكيل ائتلاف وطني فلسطيني عريض يضمّ كل الفصائل والشخصيات المستقلة والجمعيات الأهلية والفعاليات الجماهيرية التي تعترض على مشروع المفاوضات العبثية، وفي نفس الوقت معنية بتقليص المسوغات المستخدمة لمواصلة فرض الحصار على الشعب الفلسطيني، وبإمكان هذه القوى الاتفاق على برنامج وطني توافقي، يهدف إلى إفشال أي محاولة لإعادة انتخاب أبو مازن أو أي من فريق التسوية بأي ثمن، وضمان فوز رئيس جديد للسلطة يعيد الاعتبار للثوابت الوطنية.
في نفس الوقت فإن الائتلاف الوطني يضمن تغيير التركيبة الحالية للمجلس التشريعي، وتشكيل حكومة جديدة، ويمنح حماس الفرصة لتقليص مشاركتها في الحكم، والذي لا خلاف على أن ارتفاع وتيرة مشاركة الحركة فيه يمسّ بالمصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، فقد كان خطأً كارثيًّا أن تنشغل حماس بمشروع الدولة تحت ظلّ الاحتلال.


