بقلم: د.خالص جلبي
أبدع المفكر مالك بن نبي في فهمه أن القوة ألغت القوة وعلى نحو مبكر، وهو الذي وصلت إليه أوربا بعد أن جربت كل أنواع الحروب الدينية والقومية والعالمية، وأعلنت العودة للإنسان بدون قوة، وهو ما نراه في الاتحاد الأوربي وتوقف الحروب في الشمال، وبقاءها في مناطق العبودية والتخلف، والتحرر داخلي، وهو درس يجب أن تفهمه الشعوب العربية، ولكن فهم هذا الشيء أصعب من قطع الأنف بالمنشار بدون تخدير.
ويصاب الإنسان بالصدمة حين يعلم أن العرب أنفقوا في نصف القرن الماضي على شراء أسلحة ميتة أثماناً باهظة، وكيف استمرت الحرب بين إيران والعراق لمدة أطول من الحرب العالمية الثانية، فهذه الحرب لم يشهدها مالك بن نبي، ولكن شهد حرب 1967.
وهذا الذي جعله يقول: ‘ يخطئ المسلم في تقديره عندما يعتقد أن الذي ينقصه هو الصاروخ أو على الأقل البندقية ويتوهم أن هذا هو واجبه العاجل …إلى أن يقول: وسنظل نكرر ونلح في تكرارنا أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة وسائل وإنما أزمة أفكار’.
وطالما لم يدرك العالم الإسلامي هذه الحقيقة إدراكاً واضحاً فسيظل داؤه عضالاً، وللمثل فعلينا تأمل اليابان وألمانيا اللتين انهزمتا بالحرب وفقدتا عالم أشيائهما، ولكن عالم أفكارهما خلصهما من أن يكونا قابلين للاستعمار.
وهذا السحر ـ سحر الصواريخ والرؤوس النووية ـ لم يؤثر في اليابان، وهو الذي يستهوينا، كما يستهوي إيران حاليا، ولم ينقذ الاتحاد السوفيتي الذي كان يملك من الأسلحة النووية، ما يمكنه أن يدمر العالم كله مرات عديدة، من غير أن يأتي عدو يغزوه.
والله يقول ‘ألم تر كيف فعل ربك بعاد؟’
ويمكن أن نقول: ألم تر كيف فعل ربك بهتلر، ونابليون، وشاه إيران، والاتحاد السوفيتي، فهذه الأحداث الجديدة أكبر من الأحداث القديمة قبل نزول القرآن.
فهذا أسلوب جديد في تاريخ الإنسانية، ولم يحدث مثل الاتحاد الأوربي من قبل، صحيح وجدت إمبراطوريات أوسع، حيث كان البحر المتوسط بحيرة رومانية، ولكن لم يكن الأمر على كلمة سواء، وإنما كانوا يجدون لذة وسعادة حين يشاهدون على مدرجاتهم الرومانية كيف يصارع الأسرى البؤساء الذين يلقون أمام السباع؛ فيسعدون برؤية هذا المشهد المأساوي. كما رأينا ذلك في فيلم تيرانوس وأكتافيوس.
ولكنهم اليوم يلغون حكم الإعدام، وسيصل الناس إلى إعادة تأهيل الإنسان من جديد، فهو لم يخرج من بطن أمه يحمل أفكاراً، وإنما يخرج من بطن أمه يحمل استعدادا للفجور والتقوى.
وفي عالم الأفكار علينا أن نستوعب أن ما يحتاجه العالم الثالث ليس المادة بل الأفكار، وهي فكرة فهمناها مع دخول عصر المعلومات، بعد العصر الصناعي وهي التي أشار لها (الفين توفلر) أيضا في آخر مؤلف له، عن النقلة النوعية الجدية في مسير الجنس البشري.
لقد كان مالك بن نبي صادقاً حين ذكر في كتابه الأفرسيوية ‘أن إنساناً يجهل إضافات القرن العشرين للمعرفة الإنسانية لا يدخل بين الناس إلا ويجلب السخرية لنفسه’. فأوصلتنا أفكار مالك بن نبي إلى فهم قوله تعالي ‘وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا’ وأن مجرد ظهور الحق يكون سبباً لموت الباطل موتاً طبيعياً، وليس هناك من حاجة لقتله.


