الجمعة 26 ديسمبر 2025 الساعة 10:12 م

مقالات وآراء

سينما

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

      

لم تتعرض منظومة القيم لضربات في مقاتلها بمثل تعرضت له من ( السينما ) فمن البديهي أن الشباب يقفون باذلين أرواحهم وأموالهم إذا تعرضت أوطانهم لغزو أو عدوان، فيندفعون متدافعين حتى وإن لم يكونوا من العساكر أو ممن تدربوا على العسكرية، ولكن أن يتسلل عدوهم إلى دواخلهم فيدغدغ عواطفهم، ويوقظ غرائزهم، ويزرع في نفوسهم ما يتصادم مع عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم، فهذا ما لا يتصدون له، بل ويستسلم الكثير منهم ويفتح داخله لتعبر تلك التعاليم، وقد يؤنبه ضميره وتلومه ( الأنا العليا ) ولكن مع معايشتها يعتادها، ويشتاق لها، ويجد فيها لذته و سلواه ، ودون أن يدري يجاريها ولا يجد فيها ما يعيب، كنا صغارا نقلد ( جيمس دين ) فنلبس البنطال الضيق جدا، ( الساحل ) جدا  ونحيط  خواصرنا بحبل من المطاط ( المُغـِّيط)  لنثني به أطراف قمصاننا، ثم نرفع قبة القميص ونفك الأزرار الثلاثة العلوية، ثم نرخي غرة تصل إلى رؤوس مناخيرنا ، وتهافت المراهقون على شراء برنيطة ( شون كونري) أشهر من لعب أدوار الكاوبوي و جيمس بوند، وقلدوا مشية ( روك هدسون) و( ستيف ريفز) بعد أن هطلت علينا الأفلام الأمريكية تعرضها دور السينما في الخمسينيات والستينيات بتذكرة وبغير تذكرة ، ولعبت وكالة الغوث دوراً كبيراً في ذلك و لكن بعرض الأفلام العربية في ساحات عامة وسط مخيمات اللاجئين، فتزدحم تلك الساحات بالنساء والبنات والشباب والشيوخ والصغار... على جانبي الشاشة، في يومين من كل شهر، أفلام الأحلام والرومانسيات، والعصابات واللصوص والغناء والرقص الشرقي.. سنة بعد سنة صار لدينا من (تقلد شادية في غرتها) وفريد شوقي في وحشيته ومحمود إسماعيل في عصاباته ومحمود المليجي في إجرامه، صار لدينا عدم الغيرة على أخلاقنا وأخلاق بناتنا، بل أخذ جيل بالكامل في تقليد نجوم ( الشباك ) في الإيقاع ببنات الجيران في غرامهم أو إيقاع (ابن الحتة) في غرامهن ...انتشرت أفلام المخدرات والفجور في أوساطنا ومخيماتنا، تسللت هذه الأخلاقيات إلى موروثنا الأخلاقي وشيئاً فشيئاً حتى وصل الأمر بأحد مدرسينا أن يسرد علينا ونحن بعد مراهقون قصة فيلم (التلميذة) لشادية مقلداً حركاتها، سرد علينا قصة الفيلم على مدى الخمس والأربعين دقيقة هي مدة حصة التربية الدينية !! ولقد أكملت هيئة الاستعلامات التابعة لوزارة الحربية المصرية الدور إذ كانت تنظم موسم المسرح العسكري في معسكرات الجيش الفلسطيني أو دور السينما، ويحيي هذا الموسم فنانو مصر وفناناتها مطربين ومطربات، راقصين وراقصات، ويحتل المقاعد الأولى الضباط والوجهاء والحاكم العسكري، كان جيلنا ينبهر لمرأى الفنانين والفنانات وهم يتجولون في شارع السوق في رفح، ويندفع المراهقون لمصافحتهم و المشي من ورائهم بالعشرات، جرى حديث في المدرسة بين زملائنا عن ( نقيب ) أخذ يصرخ للراقصة بألفاظ ماجنة فاضحة وهو يصفق لها طالباً مزيداً من التعري، لقد زرعت السينما في جيل بالكامل كيفية التهكم بالشيوخ والعلماء، فهم شهوانيون، طفيليون لا كرامة لهم ولا فهم، عيونهم زائغة ما بين الأجساد العارية وموائد الطعام، يهجمون على الطعام وينهشون اللحوم وهم يرددون  ألفاظاً فصيحة جداً و لا بأس لو غاصت أكمام جببهم الواسعة المهترئة ( المرق ) أو الطبيخ ، وإذا ما تعرض أحدهم لخطر (ما) تراهم أجبن خلق الله صارخين (الغوث ... الغوث ) ... وكثيراً ما لعب هذا الدور عبد المنعم إبراهيم الذي استقبل في قطاع غزة سنة 63 استقبال الفاتحين من قبل مستقبليه ، وأما الأصوات التي ترفض فكانت إما ملاحقة وأنفاسها عليها معدودة، أو أنها مدانة بأنها (إخوانجية... ) أو رجعيون أو متخلفون .

 

جيل بالكامل في مختلف مناحي حياتنا ، لم يسلم منها إلا من سلم لتشبثه بمفهوم ( الحلال ) و(الحرام ) و مفهوم ( العيب ) ماذا كانت النتيجة؟؟!!

 

 مؤكد أنها هزيمة 5 يونيو 67...

 

أما بعدها فيحتاج إلى حديث آخر....