بقلم: بلال الحسن
عام 1968 ذهب أول وفد من حركة فتح إلى الصين ليتدرّب على حرب العصابات، حرب التحرير الشعبية. وعند نهاية الدورة جرى تنظيم لقاء للوفد مع شو إن لاي، الزعيم الصيني الشهير، ووزير الخارجية آنذاك، وكان الكل يعترف له، من الصينيين ومن الأجانب، أنه رجل يمتلك كفاءات متميزة. تحدث شو إن لاي مع الوفد الفلسطيني، ووجه له كعادته سيلاً من الأسئلة عن أوضاع الفلسطينيين، وعن أوضاع الاحتلال الإسرائيلي، وعن نشاط الفدائيين، ثم حدثهم قليلاً وقال لهم «إن أصعب شيء في مسيرة النضال هو الحفاظ على الهدف النهائي».
روى لي مسؤول الدورة، وكان آنذاك كادراً مستجداً في حركة فتح، وأصبح في ما بعد قائداً معروفاً، أنه استمع إلى شو إن لاي باهتمام، وحين سمع منه أن أصعب شيء في النضال هو الحفاظ على الهدف النهائي، استخفّ في نفسه بتلك الملاحظة، وقال: لماذا يصف هذا الأمر بالصعوبة؟ هذا أمر سهل جداً، نحن هدفنا تحرير فلسطين بالكامل، فهل يمكن أن نتخلى عن هذا الهدف؟ إن التمسك به أمر بديهي وطبيعي، وهو ملك أيدينا، فلماذا ينبهنا قائد في مستوى شو إن لاي إلى صعوبة ذلك؟ ويتابع هذا المسؤول الفتحاوي قائلاً، لقد حدث أكثر من مرة أن رويت هذه الحادثة لزملائي، أحياناً مستغرباً، وأحياناً مستخفّاً بملاحظة شو إن لاي.
ومرت الأيام تلو الأيام، والسنون تلو السنون، والتجارب تلو التجارب، ولاحظت بالتدريج، أن موقفي السلبي من ملاحظة شو إن لاي بدأ يتغير، وأخذت أكتشف بالتجربة أن الحفاظ على الهدف النهائي هو فعلاً أمر صعب. وحين انتقلنا إلى مرحلة البحث في العلاقات الاستراتيجية مع العرب، وحين انتقلنا بشكل خاص إلى البحث في قضايانا الاستراتيجية مع الدول والمسؤولين الأجانب، بدأت ألحظ أن الأبحاث كلها تدور حول مسألة واحدة هي الهدف النهائي الذي حددناه لأنفسنا، ومطالبة الجميع لنا بضرورة إعادة النظر به. أحياناً بسبب صعوبته، وأحياناً بسبب استحالته، وأحياناً بسبب الواقعية أو المرحلية أو أهمية الحفاظ على التحالفات في الساحة الدولية. فالكل كان يطالبنا، عرباً وأجانب، بأن نتخلى عن هدفنا النهائي، أو أن نعيد النظر فيه. وأدركت شيئاً فشيئاً أن ما قاله شو إن لاي لم يكن مجرد رأي عابر، إنما كان تلخيصاً لتجربة صينية صعبة، كان هدفها تحرير الصين من الاستعمار، ومن الإقطاع، ومن الظلم الاجتماعي، وسط عالم من الأعداء، وعالم من الأصدقاء، يطالبهم بإعادة النظر بهدفهم الكبير، بسبب صعوبته، وكي يتسنى لهم البقاء أحياء في عالم السياسة الدولية. صمد الصينيون سنوات طويلة أمام التجارب المرة، وحققوا في النهاية هدفهم الكبير، وأدركوا بالتجربة صعوبة أن يحافظ المناضلون على الهدف النهائي للنضال.
ولكن التجربة الفلسطينية سارت في نهج آخر، أحياناً استجابة لمطالب الحلفاء العرب، وأحياناً رضوخاً لضغوطات الوسطاء الأجانب، فبرزت فكرة المرحلية، وبرزت فكرة الدولة على أي شبر يتم تحريره، وبرزت أخيراً فكرة الدولتين، وكان كل ذلك يعني بدء التفكير العملي بالتنازل عن الهدف النهائي للنضال.
وها نحن نعيش اليوم في ذروة هذا المنهج، حيث فكرة الدولتين هي حصان طروادة الأخير، وحيث تنبت «قيادات» فلسطينية جديدة تأخذ على عاتقها الترويج لقبول الفتات الذي يعرضه الخصم الصهيوني، أو الخصم الأميركي. ولكن الأخطر من كل هذا أن خصماً فلسطينيا ينمو في داخلنا، ومن داخلنا، أصبح يتبنى هذه الأفكار، ويصورها أنها درجة عالية من درجات النضال، حتى أصبحنا أمام تعاون أمني مع عدونا الأساسي، وضد مناضلينا الأساسيين. نعتقلهم، ونعذبهم، ونحكم عليهم بالسجن. والتهمة أنهم مناضلون. وربما مناضلون عجزوا عن تقديم الأدلة على براءتهم من النضال، فلم يتوافر لهم وسيط فلسطيني، يجلب من المحتل الإسرائيلي صكّ براءة من النضال.
لم يفهم القادة الفلسطينيون نصيحة شو إن لاي. ومن واجبنا الآن أن نستذكرها دائماً، وأن نتمسك بالهدف النهائي، وأن ندرك أن التمسك بهذا الهدف أمر صعب وشاق، ولكنه ممكن حسب تجارب الشعوب المناضلة، وشعبنا واحد منهم.


