بقلم د.خالص جلبي
يظن البعض أن (العلم) هو العلم (الشرعي) ولا علاقة له بالطب وعلوم الفضاء والفيزياء الذرية والانثروبولوجيا. ولمواجهة العصر فإن كتباً مثل (عارضة الأحوذي في شرح الترمذي) كافية لاستيعاب صدمة المعاصرة. وهذا جهل بالعلم والعلم الشرعي والتاريخ معاً. أما (سيد قطب) في كتابه (معالم في الطريق) فاعتبر أنه لا يوجد حضارة خارج الإسلام، وأنه لا حرج بالانفتاح على العلوم التطبيقية مثل الفيزياء ولكن بدون تفسيراتها الفلسفية. وهذا يقودنا إلى ثلاث أخطاء: فلا يوجد شيء مجرد اسمه الإسلام في التاريخ بل هناك ممارسات لبشر حاولوا تمثل الإسلام والإشعاع به فاقتربوا وابتعدوا. وهو خطأ في فهم الحضارة. فالحضارة كما شرحها المؤرخ الأمريكي (ويل ديورانت) في كتابه (دروس من التاريخ) أنها 'نظام اجتماعي يقوم بنشر الإبداع الثقافي' ولذا فهي نسيج 'متشابك ومعقد وغير ثابت من العلاقات الإنسانية وهو نسيج يتسم بالجهد في صنعه والسهولة في تدميره' والشاهد على ذلك وضع أمريكا الحالي فهي بعد أحداث سبتمبر تعرضت لنكسة حضارية إلى درجة أن ديكتاتوريات العالم الثالث تنصحها بالاستفادة من تجربتها في قمع الشعوب. وأمريكا بنيت على الحريات وليس المخابرات. والخطأ الثالث القاتل الذي وقع فيه قطب هو أنه يريد منا عدم دراسة العلوم الإنسانية من تاريخ وفلسفة وعلم نفس واجتماع لأنها تخضع في مجموعها إلى روح (جاهلية) بزعمه. والثاني دراسة العلوم التطبيقية بدون الالتفات إلى تفسيراتها الفلسفية فهو يطالبنا أن ندرس الفيزياء الذرية بدون الاستفادة من مبدأ اللايقين لفيرنر هايزنبرغ في ميكانيكا الكم وظلاله في فهم الكون على نحو احتمالي. وهي كما نرى أفكار ظلمات بعضها فوق بعض. وهو أحد أسرار انحطاط العالم الإسلامي.
وذهب (عبد الرحمن البدوي) الفيلسوف المصري في آخر كتاب صدر له قبل وفاته وهو يضع خلاصة أفكاره أن العالم العربي نهض من خلال اتصاله بالفكر اليوناني مع حركة الترجمة في العصر العباسي فانطلق العقل. والذي أكبه على وجهه كان الانعزال عن تطور الفكر العالمي. وحسب المفكر (أحمد أمين) في كتابه (ضحى الإسلام) فإن أحد الكوارث العارمة في التاريخ الإسلامي كانت في تسلط تيار (أهل السنة والجماعة) وقتل حركة (المعتزلة) والتيار العقلي. وهو يقول أن التياران يشبهان من وجه حزبا (الأحرار والمحافظين) وأنه كان بالإمكان أن يتعايشا ويعدل أحدهما الآخر. ولو حصل هذا لتدفق التاريخ الإسلامي في مجرى مختلف، ولربما ولدت الثورة الصناعية عندنا قبل بألف سنة. وهو الرأي الذي ذهب إليه صاحب كتاب (العالم فكرة ومادة).ولكنه انحط حينما استسلم لتسلط التيار النقلي فودع العقل وما يزال. وطلعت الشمس من مغربها وانقلبت محاور العالم. وحبس العرب في زنزانة المتوسط وبدأت حضارة الاطلنطي وما زالت. وكتب سفر الحضارة بخط من اليسار.
ويذهب (محمد كامل حسين) في كتابه (وحدة المعرفة) إلى وجود نظام في الطبيعة ونظام في العقل وأن العلم هو المطابقة بينهما. والنظامان من طبيعة واحدة. والمطابقة بينهما ممكنة. ولولا ذلك لاستحالت المعرفة. فهذا هو جوهر المعرفة. ودليله 'القدرة على التحكم في كثير من الأمور الطبيعية'.
أما (أبو حامد الغزالي) فقد ذهب في كتابه (المستصفى في أصول الفقه) إلى تقسيم خاص به سماه (مراتب الوجود) بدءً من الحقيقة الموضوعية الخارجية ومرورا بالذهن وانتهاء بالنطق والكتابة. واعتبر أن انتقال الحقيقة الموضوعية الخارجية إلى تصور ذهني هو العلم. ولكنه إدعاء يحتاج إلى دليل ولم يختلف الناس مثل اختلافهم حول تمثيل الحقيقة؟ بيد من هي؟ ومن يملكها؟ إنها قضية سفك من أجلها الدم ولم تأت الحقيقة في يوم من بؤرة الإكراه بل من نتائجها. وهي بدورها قضية يكثر حولها الجدل. واليوم يقول الشيوعيون أن الماركسية حقيقة كونية مثل الشمس والقمر ولكن التطبيق الستاليني وعنف الدولة والتخلف الروسي كان خلف كسوف شمس الشيوعية.
وذهب (التكريتي) في كتابه (الهندسة النفسية) وهو يشرح النظرية الجديدة حول البرمجة اللغوية العصبية (NLP) أن الحقيقة مشوهة ومشوشة للغاية بدءً من التقاطها بالحواس وانتهاء بتعضلها في التعبير عنها باللغة. فليست الحواس تلك المآخذ الموثوقة بها ولو أمسكنا بقضيب يمر فيه تيار ماء بارد لشعرنا بالبرودة والعكس بالحرارة ولكن لو أمررنا تيارين بنفس الوقت من الماء الحار والبارد لصعقنا من الإحساس يالماء الساخن الحارق وهو نوع من خداع الحواس. فهي آلات ليست موضوعية تماما فكيف بالعقل المتعلق بها؟ واللغة فيها ثغرات مخيفة أثناء التعبير والنطق ومحشوة بالمبالغة والتشويه وعدم الدقة. ولكن لا مفر من اعتمادها للتواصل الإنساني. وحتى الوحي الإلهي كان لابد له من اللغة لنقل الحقيقة إلى الناس من خلال كلمات يتداولونها بينهم.
وذهب (محمد عنبر) في كتابه (جدلية الحرف) أن كل الحقيقة مختبئة في تضاعيف الحرف. ولو تأملنا أي كلمة لرأينا الحقيقة وعكسها بحركتها من الأمام للخلف وبالعكس. والكلمة بذاتها تعطيك الحقيقة بمجرد نطقها. مثل قرّ ورقّ فالأول عكس الثاني. وهذا قانون في كل الكلمات. وأن الكلمة بالتصويت كانت تنقل الحقيقة الموضوعية. ولو اكتشفنا اللغة الأساسية التي نطق بها البشر لوضعنا أيدينا على الحقيقة النهائية. وهذا جهل بالتاريخ والانثروبولوجيا واللغة معا. فلا الكلمة تحمل الحقيقة. ولا يوجد لغة أصلية موحدة نطق بها البشر. وهو ما تعب فيه الفرعون بسماتيك الثاني وفردريك ملك صقلية حينما حرموا الأطفال الرضع من تعلم أي لغة ليروا إن كانوا ينطقون بلغة أساسية فخاب سعيهم. ويعرف علماء الألسنيات اليوم أن الكلمات لا تحمل المعنى بل نحن الذين نشحنها بالمعنى. وأن البشر كائنات اجتماعية. والمجتمع هو الذي يمنحنا اللغة كما يمنحنا الجينات. وهي أمور متعارف عليها (رمزية) مثل قطعة الورق النقدية كما في تعبير (ألفين توفلر) في كتابه (القوة والثروة والمعرفة) فلولا اتفاق الناس على قيمتها لما زادت عن قيمة ورقة تافهة وإلا هل يعقل أن قطعة ورقية من فئة 100 دولار أن تشتري بها أكثر من ثلاثة براميل من البترول.
وانتبه (ابن خلدون) إلى خديعة الألفاظ فأوصانا بعدم الوقوع في شباكها وأن نطلق الألفاظ وننطلق بالفكر إلى سماء المعاني لنقنص الحقيقة ثم نغلفها بالثوب المناسب من الألفاظ.
وعندما أردت تصليح سيارتي لفت نظري استخدام العمال الأتراك كلمات اخترعوها مثل (الصوفة) و(الدودة) و(السِلْف) عن قطع بعينها في الموتور أو (القماشات) في الفرامل وقد تعني شيئا للعامل التركي ولكنها لو ترجمت إلى الألمانية والإيطالية فلا تعني أي شيء. وفي مدارس تعلم الصم تخترع كل مجموعة من الحركات ما تتفاهم به. وعندما يجتمع أطفال أي مجموعة عرقية فإنهم يخترعون لغة خاصة بهم في الوقت الذي يعجز الآباء. واليوم بدأت التجارب على الكمبوترات فاكتشف الخبراء أمام دهشة لا تصدق أن عندها قدرة التفاهم بلغة خاصة بها.
وذهب العالم (سومرست موم) إلى أن العلم كائن متقلب فهو ينفي اليوم ما أثبته البارحة. كما أنه يثبت اليوم ما نفاه أمس وسيفعل نفس الشيء في المستقبل. ولذا فعباده في حالة ترقب وحذر. وهو كلام يمثل نصف الحقيقة من ثلاث زوايا. فهو (1) ليس كذلك بل ينمو بآلية خاصة به من التراكم وهكذا ففيزياء نيوتن يمكن أن نستخدمها في إرسال الباثفايندر إلى المريخ ولكن نسبية آينشتاين أعطتنا دقة أفضل فعرفنا حضيض عطارد في الوقت الذي عجزت عنه فيزياء نيوتن. و(2) الثاني أن حقيقة الأشياء تزداد صقلاً ومنها حركة دوران الأرض حول الشمس فنحن عرفنا أنها تدور حول الشمس ولكننا عرفنا ثلاث أمور إضافية: أن الدوران أهليلجي وأن السرعة تزداد مع الاقتراب من الشمس وتبطؤ بالابتعاد عنها. وثالثا أن الدوران في حالة رقص واهتزاز سواء الشمس أو الأرض. مثل حركة الرصاصة حينما تخرج من سبطانة المسدس فهي مستقيمة ودورانية. مستقيمة على الخط ودورانية حول امتداده. و(3) ثالثاً أن القوانين غير متقلبة بل تصورنا حولها يزداد مضاء وحدة وإنارة وصياغة قوانين أكثر دقة وتطبيقا.
أين الحقيقة إذا وأين العلم؟..
يمكن بلّورة الموضوع على الشكل التالي:
(1) أولاُ أن (العلم) ليس العلم (الشرعي) وإن كان الآخر يدخل تحت مظلته ولكن ضمن سياقه الموضوعي وإلا تحول إلى قيمة تاريخية يستفيد منها الدارس في رؤية حركة تطور التاريخ. مثل جراح الأوعية الذي يعرف أن أمهات الدم الخطيرة كانت تعالج أيام الزهراوي بالربط بخيطان الحرير. وهي في وقته كانت المتوفرة وتعتبر فتح الفتوح. وهي في أيامنا تثير فزع الجراحين وتنتهي ببتر الأطراف أو الموت. ومعنى هذا أن تفسير ابن كثير في يومه كان عملاً رائدا مميزا، ولو بعث (ابن كثير) اليوم لتبرأ مما كتب وبدأ بكتابة تفسير مختلف قد لا يسميه تفسيرا، لأن كل كلمة (علم التفسير) أمر اصطلاحي جاء تحت حزمة من العلوم نمت يومها حسب عبقرية من فتح الطريق إليها تحت أسماء شتى مثل (مصطح علم الحديث) و(القراءات) و(أسباب النزول) و(أصول الفقه) وما شابه. وهي أمور لم تكن معروفة في جيل الصحابة الأول. وعندما تولد العبقرية عندنا فسوف نحتفظ بتفسير ابن كثير كقيمة تاريخية تفتح الطريق لنا لفهم طبيعة العصر الذي كان يعيش فيه ابن كثير، ونبدأ في تطوير علوم جديدة بأسماء جديدة، مثل (الفهم البنيوي للقرآن) و(الدراسات التاريخية القرآنية المقارنة) ووضع تفسير للقرآن لا يسمى تفسيرا. فهذه قاعدة مهمة في التأسيس العقلاني للفكر الإسلامي الجديد.
و(2) ثانياً يجب أن نستوعب أن العلم حيادي فليس هناك أسطورة (أسلمة المعرفة) لنخرج من تحت القبعات السوداء أرانب بيضاء كما يفعل سحرة السيرك. فليس هناك علم بوذي وآخر بروتستانتي بل هو كيان يتمتع بالحيادية وكلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا.
و(3) الأمر الثالث أن العلم ينمو فهو في حركة دينامية وأنه يكبر بالحذف والإضافة بأجر غير ممنون.
و(4) والأمر الرابع أن الوجود مكون من خمس حقائق هي (المادة) و(الطاقة) و(الزمان) و(المكان) و(القوانين) وأن سنن الكون لها ستة صفات فتمتاز (بالنوعية) و(الشمولية) و(الثبات) و(التراكب) و(التسخير) و(الاحتمالية) وهكذا فقانون الجاذبية موجود على ظهر الأرض والمريخ وقوانين المادة غير قوانين الحياة؛ فالذرة لا تولد ذرة والقطة يخرج من رحمها قطط. وقانون انطلاق الأشياء كان في زمن الروم بإطلاق السهم مثلما هو في إطلاق ناسا للصواريخ لاختراق نطاق الجاذبية الأرضية. ونحن تعمل فينا في الوقت الواحد مجموعة مترابطة متراكبة من قوانين الفيزيولوجيا وتيارات العواطف ويمكن قياس حرارة الجسم ولكن لا نعرف (وحدة) أو (جهاز) نقيس به حدة الغضب. والقانون لا ينظر إلى الهوية العقائدية وبذلك ارتفع الياباني وهبط البنغالي بسبب الاستفادة من سنن الله في الكون أو الاعتماد على الخرافة. والقانون له طبيعته الخاصة الاحتمالية فمن يولد في ألمانيا يجب أم يكون متعلما غنيا ومن يولد في اليمن قد يقتل السياسي جار الله بدعوى أنه علماني؟ ولكن لا يعني أن كل واحد يولد في ألمانيا سيكون غنيا متعلما بل هي حظوظ دنيوية على الغالب وكما يقول مالك بن نبي أن حظوظ الإنسان في الدنيا مرتبطة بالمجتمع الذي يعيش فيه.
