ياسر الزعاترة
هذا هو أوباما الذي بشرونا باعتداله وسلامه يفصح عن مواقفه، وقد أكدنا مراراً أن الرجل أضعف من أن يفعل شيئاً في مواجهة اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، وأن أقصى ما يمكن أن يفعله هو أن يأمل في اعتدال ذلك اللوبي، وظهور خلاف بين محاوره حل ملف التسوية.
اليوم، وفيما يحاول أوباما البحث عن مخارج سياسية للأزمة مع إيران بشأن مشروعها النووي، الأمر الذي لا يروق كثيراً للإسرائيليين، فإن من الصعب عليه فرض مطالب سياسية على نتنياهو، لا سيما بعد أن تمكن الأخير من تحقيق قدر من الإجماع في الساحة الإسرائيلية حول البرنامج الذي أعلنه في جامعة بار إيلان، أكان في شقه المتعلق بالرؤية النهائية للدولة الفلسطينية، أم الشق المتعلق بالتسوية المرحلية ممثلة في 'السلام الاقتصادي' الذي يسميه جماعة كاديما والعمل (الدولة المؤقتة)، بينما يسميه سلام فياض 'دولة الأمر الواقع'.
نؤكد هنا أن ما يحول بين الرئيس الفلسطيني وبين العودة إلى طاولة المفاوضات ليس القناعة بوقفها في ظل استمرار الاستيطان (أليست الحياة مفاوضات؟)، بدليل مفاوضاته مع إيهود أولمرت الذي كانت حكومته الأشرس في تبني برنامج الاستيطان بين رؤساء حكومات الدولة العبرية منذ عام 67.
قبل أيام اعترف عباس أمام شخصيات إسرائيلية (هآرتس 30 ـ 10) بما أنكره مراراً حول التفاهمات الواسعة التي توصل إليها مع أولمرت، حيث قال بالنص 'أنا وأولمرت كدنا ننهي كل شيء'. 'في كل المسائل تقريباً توصلنا إلى اتفاق شفوي'.
وفيما ذهب إلى أن سبب الفشل هو عدم إكمال أولمرت لمدة حكومته، فإن السبب الأهم كان تلكؤ هذا الأخير في منحه حصة في القدس الشرقية تمكنه من تسويق الاتفاق على الفلسطينيين بعد أن قدم تنازلات رهيبة في ملف اللاجئين والمستوطنات والسيادة.
الآن، وفي ظل الموقف الأمريكي الجديد، وفي ظل وضوح البرنامج السياسي لنتنياهو والإجماع الذي حصل عليه، وفي ظل الإصرار على برنامج الدولة المؤقتة التي يقول الرئيس إنه يرفضه، فقد بات عليه، والأهم على حركة فتح، أن تتخذ موقفاً جديداً مما يجري.
الأكيد أن رفض عباس للتفاوض لا يعدو أن يكون خوفا من ردة الفعل الشعبية الفلسطينية، لا سيما أنه يخوض صراعا مع حركة حماس على مستقبل الوضع الفلسطيني برمته، ما يعني أولوية التركيز على استعادة الشرعية التي ضاعت منه في 'خطأ غير مقصود' في انتخابات مطلع العام 2006.
إنه يدرك أن عودته إلى التفاوض في ظل الرفض الشعبي بسبب استمرار الاستيطان وتهويد القدس ستعني سقوطاً سياسياً لم يعد صعباً بعد فضيحة غولدستون، وفي ظل ما يجري في الضفة من عسكرة شاملة للمجتمع وتعاون أمني وسياسي واقتصادي مع الاحتلال. لكن عودته لطاولة التفاوض تبقى واردة إذا استندت لمرجعية عربية تحاول واشنطن توفيرها من خلال الضغوط.
المطلوب اليوم هو قدر من المناورة حتى يتمكن من عقد انتخابات في الضفة، أو جرّ حماس إلى انتخابات شاملة تخرجها من الباب الذي دخلت منه، وإذا نجح في ذلك، فلن يتردد 'مستنداً إلى رزمة الشرعيات التي بين يديه' في العودة إلى التفاوض من جديد ما دام يرفض مبدأ المقاومة من جهة، وما دام خياره هو تكريس الوضع القائم في الضفة بوصفه شبه دولة أو دولة مؤقتة دون سيادة، بصرف النظر عن نتيجة مفاوضات الوضع النهائي.
في مواجهة هذا الوضع البائس، ومن ضمنه استحالة تغيير عباس لبرنامجه، فإن تكتلاً عريضاً من القوى الفلسطينية والشخصيات الوطنية (يشمل رموز فتح الرافضين لما يجري) لا بد أن يعلن عن نفسه بطريقة أو بأخرى، عنوانه تفعيل برنامج المقاومة ورفض المصالحة القائمة على انتخابات سلطة صممت لخدمة الاحتلال، وهذا لا يعني الانقلاب على منظمة التحرير، بل مسعىً لتحريرها من الذين اختطفوها، ولا يمثلون الشعب الفلسطيني بأي حال.
نعلم أن الوضع العربي البائس بقيادة مصر المسكونة بهاجس التوريث، ومعه ضعف الآخرين وترددهم، لن يسعف تحركاً من هذا النوع، لكن واجب الوقت الآن هو توافق قوى المقاومة على إعلان موقفها الرافض لبرنامج السلطة وديمقراطيتها، ومن ثم السعي لتشكيل مرجعية حقيقية للشعب في الداخل والخارج، من الأفضل أن تكون هي ذاتها منظمة التحرير إذا كان بالإمكان إعادة تشكيلها على أسس ديمقراطية بعد تحريرها من خاطفيها كما أشير من قبل.


