بقلم: مصطفى الصواف
لم يكن موقف وزيرة الخارجية الأمريكية بالشيء المفاجئ لأنها عبرت بشكل صريح وواضح عن السياسة الأمريكية في التعامل مع القضية الفلسطينية، لأن قضية وقف الاستيطان كشرط لبدء المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني لم تعد في وارد الإدارة الأمريكية التي عبرت عن هذا الموقف في أعقاب لقاء محمود عباس ونتنياهو بالرئيس الأمريكي أوباما.
المشكلة ليست في الموقف الأمريكي المنحاز إلى جانب دولة الاحتلال وغير المنصف للشعب الفلسطيني وحقوقه، ولكن المشكلة في السياسة الفلسطينية ومواقفها من جملة العملية السياسية التي ترى أمريكا أنها قابلة للحياة؛ ولكن دون شروط.
الموقف الفلسطيني إعلاميا، فيه رفض لهذا الموقف الأمريكي، ويؤكد أنه لن يعود إلى التفاوض مع الصهاينة دون وقف كامل للاستيطان، الأمر الذي ترفضه دولة الكيان وتراجعت عنه الإدارة الأمريكية، ولكن من خلال المتابعة للموقف السياسي الفلسطيني نلاحظ أنه موقف متقلب ومتغير وغير ثابت، وما يكون اليوم مرفوضا يصبح غدا مقبولا ويخرج من يبرر أسباب التراجع ويفرق بين التفاوض وبين اللقاء، وهناك أدلة كثيرة على الموقف الفلسطيني المتقلب آخرها ما كان قبل لقاء نيويورك، والذي أعلن قبله محمود عباس عن رفضه لأي لقاء مع نتنياهو ما لم يتعهد بوقف الاستيطان بما فيه القدس، ولكن سرعان ما تغير هذا الموقف والتقى عباس مع نتنياهو بطلب من الرئيس الأمريكي.
الموقف الفلسطيني الأخير من قبل عباس مع وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون ورفضه لأي استئناف للتفاوض دون وقف للاستيطان، والذي اعتبرته كلينتون انه شرط غير مقبول وانه يمكن استئناف التفاوض دون وقف للاستيطان، هذا الموقف الفلسطيني الرافض لتصريحات كلنتون وموقف الإدارة الأمريكية مرحب به فلسطينيا؛ ولكن مشكوك فيه على المدى البعيد، لأن الموقف الفلسطيني عودنا على التراجع المستمر عن مثل هذه المواقف والتساوق مع المقترحات الأمريكية.
ودعونا نتحدث عن الموقف الفلسطيني التكتيكي الرافض للموقف الأمريكي، وأنا أعتقد ذلك؛ لأن الإدارة الفلسطينية بقيادة محمود عباس لا تقدر على مواجهة أي ضغوط أمريكية، لأن أمريكا هي المصدر الأكبر للأموال الواردة إلى السلطة والمتحكم ببقية الموردين للمال، أجانب أو عرب، ولذلك لن يصمد الجانب الفلسطيني على موقفه أمام أول طلب أمريكي رسمي لاستئناف المفاوضات، طالما بقي الموقف الفلسطيني بعيدا عن الدعم الشعبي، الموقف الفلسطيني نعتقد أنه تكتيكي لسبب بسيط وهو حالة الرأي العام الفلسطيني التي باتت تنظر بريبة إلى محمود عباس وسياسته، خاصة وأن آثار فضيحة غولدستون تلقي بظلالها على الموقف من محمود عباس، وهذا الموقف من تصريحات كلينتون هو محاولة لجبر الشرخ في موقف الرأي العام من قبل محمود عباس، لأن قبول الموقف الأمريكي كان سيشكل ضربة جديدة لمحمود عباس ومصداقيته والتزاماته بالثوابت الفلسطينية، فلذلك جاء هذا الموقف من قبل محمود والسلطة.
نتمنى أن تبقى السلطة على موقفها الرافض للعودة إلى طاولة المفاوضات ما لم يتوقف الاستيطان بشكل كامل، كما نتمنى أن تعيد سلطة محمود عباس التفكير في استراتيجيتها المتبعة منذ سنوات وأن تعود إلى استراتيجية الشعب الفلسطيني بعد فشل هذه الاستراتيجية وتبيان عدم جدواها في تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني.
ليس عيبا أن نتراجع عن الخطأ؛ ولكن العيب هو الإصرار على الخطأ، كما أدعو محمود عباس أن يستغل الفرصة المتاحة، وأن يفتح صفحة جديدة مع الشعب الفلسطيني وقواه المتعددة وعلى رأسها حركة حماس، وأن يتجاوز كل عقد الماضي والحاضر، وأن يعمل الجميع بما يحقق مصالح الشعب الفلسطيني العليا، كما أتمنى أن يسقط عباس كل رهاناته على أمريكا وإدارتها الجديدة بعد هذا التراجع الواضح عن ما أعلنت عنه وأن يدرك أن أمريكا ماضية في سياستها الخادمة للمشروع الصهيوني، وأن يجعل رهانه الوحيد الشعب الفلسطيني ومصالحه العليا حتى لو أدى هذا الطريق إلى ما أدى بالرئيس الراحل ياسر عرفات فهذا أشرف، فهل يستجيب محمود عباس، أم سيبقى على مواقفه وسياسته التي لم تؤد إلى أي تقدم في تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني وتحقيق آماله؟.
