بقلم: مصطفى الصواف
الأمر كله لله، ويقدر الأمور كيف يشاء، وكل حديث عن المستقبل هو في حدود نطاق الفهم والإدراك للإنسان، ومهما بلغ من قدرات وإمكانيات تبقى محدودة وضعيفة، والمستقبل بالمقاييس المادية البشرية له عوامل ثبات، وكذلك القوة والبقاء، ومن أدرك هذه العوامل أدرك البقاء والاستمرار والوصول إلى الأهداف، قد تصل دول وإمبراطوريات حدا لا مثيل له، حتى يقال إنها الدولة التي لا تغيب عنها الشمس، وأقرب مثال بريطانيا كيف كانت بالأمس، وماذا هي اليوم، وكيف ستكون غدا، هكذا هي أحوال الأمم.
حركة حماس هي مثل هذه الظواهر والحالات بدأت بعناصر قليلة، وفكرة صغيرة كبرت وترعرعت، ونمت، وأصبحت من حركة صغيرة هامشية إلى لاعب أساسي في منطقة تعج بالأحداث، وهي مقرر فيها، وبدونها لا تسير الأمور بالشكل الذي يراد له، لذلك هذه الحركة ما نمت، أو تمددت، أو كبرت إلا بعد أن استحوذت على مستلزمات وشروط القوة، والتأثير، والبقاء.
اليوم حركة حماس باتت هدفا للتقويض، والاستحواذ، والتجريد من عناصر القوة والدوام؛ لأنها من وجهة نظر القائمين على الأحوال في دنيا الواقع والحال جاءت في الوقت الخطأ بتقديراتهم، وهم يُهملون القدر ولا يؤمنون به، ويظنون أنهم وحدهم من يقرر مصائر الأمم والبشر، ولا يعلمون أن هذه الأمور أولاً وأخيراً هي بيد الله، ثم بعد ذلك باستحواذ هذه النظم أو الحركات لعوامل القوة وعناصر البقاء.
والحملة الإعلامية التي تقودها اليوم حركة فتح هي جزء من محاولة النظام الدولي العالمي لتقويض حماس، وهي تكملة للحملة التي قادتها فتح عام 2006 بعد الانتخابات، والنتيجة كانت وبالا على فتح، وكانت أحداث منتصف حزيران 2007م، واليوم تكرر فتح نفس الأسلوب وبنفس السياسة وبنفس الشخوص، الأمر الذي يشير إلى احتمال أن تكرر نفس النتائج، وإن كانت بطرق أخرى.
المطلوب من حركة حماس التي باتت و لازالت تواجه نفس السياسات القديمة التي كسرتها وتخطتها، وحققت فيها انجازاً استدعى استمرار السياسة القاضية إلى تدميرها، ولكن حتى الآن حركة حماس استعصت على ذلك، لذلك تواجه العواصف العاتية، ولكن سر صمودها بعد سند الله هو المد الجماهيري الذي شكل عنصراً واقياً وحامياً للمشروع. والعنصر الثاني: كان الثبات على المواقف، والدفاع عن الحقوق، وعدم الاستجابة لكل الضغوطات الإقليمية والدولية، ومضت بنفس الأسلوب الذي سارت عليه، ولازالت تحتفظ بنفس الاستراتيجية، وإن تغيرت التكتيكات، لذلك المطلوب تعزيز الثوابت، وعدم الاستجابة لكل التهديدات؛ لأنها تصدر عن ضعاف وبأدوات رخيصة محلياً، وإقليمياً، ودولياً، ولم تحقق حتى هذه اللحظة أي آثار كبيرة على المواقف والثوابت.
وحتى تبقى حماس تمتلك عناصر القوة مجتمعة يجب أن تحافظ على هذه العناصر التي كانت سبباً في التمدد والاستدامة والقدرة على التحدي، ودون ذلك فالخطر سيدهم وسيحاصر حماس وقد يهد بنيانها، وهذا يعود بعد الله إلى التمسك بعوامل القوة، أما الخوف والاستجابة للتهديدات والضغوط والبعد عن الاستراتيجيات والثوابت فهو أمر مخيف ويجب التوقف أمامه( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) هذه سنن ربانية كونية، فالتغيير بالسلب أو الإيجاب مرهون أولا بالنفوس، والنفس لها متعلقات مختلفة يجب أن نعيدها إلى مقياس الشرع؛ وإلا سيكون التغيير على غير ما نريد.
اختم بالقول إن على حماس وقيادتها أن تتقي الله في السر والعلن، وأن تكون مع الله، فمن يكن مع الله يكن الله معه، فعليها بالثبات، الثبات، والعدل، والمساواة، فالعدل أساس الملك، عندها لن يضركم كيد الكائدين ولا تهديد الضعفاء، والله ناصركم ما نصرتم دينه ودعوته.


