الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 12:38 ص

مقالات وآراء

حـــــرب

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

يتصدر الدكتور عزمي بشارة، المفكرين العرب في تناوله أدق تفاصيل القضية الفلسطينية و أبعادها و لا يخفي الرجل حرصه على هذه القضية ، فيشخص المخاطر المحدقة بها في البعدين' جغرافيا و تاريخ' و ما يحدث بينهما من تفاعلات و نتائج . يدق بشارة اليوم الخزان بكلتا يديه صارخا ( الانتخابات المنوي إعلانها محاولة لعملية تزوير واسعة النطاق لإرادة الشعب الفلسطيني تجري تحت التهديد) وقراءة متأنية لما وراء الكلمات، ندرك أن الرجل يقصد تلك التي سيصدر بها عباس مرسوما لإجرائها في الرابع و العشرين من كانون الثاني ( يناير) القادم بعد أن عمل جاهدا على إفشال جولات الحوار المصرية الفلسطينية، جولة إثر جولة ، رغم ما تم الاتفاق عليه في القضايا الخمس و ما تضمنته ملفاتها ، وقد كانت حماس تطلب دوما إطلاق الحريات لأنصارها في الضفة الغربية، ويأتي في مقدمتها إطلاق سراح أكثر من ألف أخ من كوادرها وخاصة مجاهدي القسام  والقيادات السياسية والدعوية، ورفع الخطر عن مؤسسات الحركة الخيرية والاقتصادية والتربوية، وكان طلبها يصطدم بجدار (لا) الصلب، والذي يمثل عباس واجهته، وأما مفتاحه فهو بين أصابع ضباط التنسيق الأمني وقائدهم العام (كيث دايتون) والذي يجهز لحرب أهلية فلسطينية، يهدف من ورائها تحرير قطاع غزة من (حماس)، وإعادته لمكاتب التنسيق الأمني ، وبيت الطاعة ( الإسرا – أمريكي)، ثم توضع حماس في قفص ( الإدانة )، لتسمع النطق بالحكم عليها ( المعد سلفا) بالإقصاء كحركة وبالإعدام شنقا أو رميا بالرصاص لكبار قادتها ومجاهديها ، والسجن المؤبد للصفوف الخلفية منهم ، مع تشديد النكير على من آزر حماس أو انتخبها أو أيد موقفا لها ، أو رد السلام على من طرحه من الشعب عليها ، مع حملة تشويه هائلة بإظهار حماس على أنها دموية قاتلة فاسدة وعميلة ، وصناعة إسرائيلية ،وشيعة، خائنة ، إضافة إلى أنها ( ظلامية – رجعية )، كالتي تابعناها في محاكمات صدام وذويه وقادته وأركان حكمه .

 

إن نجاح حماس في الانتخابات قد أفقد الطامحين إلى الملك ، والبقاء في كرسيه واحدا وأربعين عاما أخرى ، تجري خلالها مياه، وتتبدل محيطات، وتموت أجيال ، وتنبت من عظام الشهداء براعم قد يقضى عليها، وقد تمشي أغصانا باسقة ، وإلى أن تشتد وتصير حرابا في أيدي الشرفاء تكون القضية قد تحللت إلى عواملها الأولية ، وتمكن المشروع الصهيوني من التمدد طولا وعرضا وارتفاعا، وعادت مملكة يهوذا إلى الوجود من جديد ، وتحول الأقصى إلى هيكل ، وفتح نادي القمار( أريحا) أبوابه ، واستقبل بوش ( الأب والابن ) استقبال الفاتحين ، لكن نجاح حماس عطَّل كل ذلك ،فاستبد السعار في قلوب الذئاب وأنيابهم ، فلا بد من إخراج حماس عن الساحة من ذات الباب الذي دخلت منه (الانتخابات) وحتى يتحقق ذلك فلا بد من تشويهها حتى لا يخطب ودها من خطبه ، ولا يعود نصيرا لها من نصرها ، فكان الحصار والانفلات الأمني ، والحملات الإعلامية الفاضحة، التي خرجت عن أبسط معاني الذوق وأدنى مراتب التربية ، ثم الحرب الضروس على مدى ثلاثة وعشرين يوما ، ثم الحرمان من كل نعمة ، والتقييد بكل قيد ، وقطع الأرزاق والرواتب ، هذا في غزة , وأما في الضفة فالسيف على أعناق الناس وعقولهم وأفئدتهم ومستقبل أجيالهم ، فصودرت حرياتهم ، الأمر الذي يغير ملامح الإنسان الفلسطيني قسرا في مختلف جوانب حياته ، فإن فكر فبغير عقله ،وإن نظر فبغير عينيه ، وإن اختار فبغير قناعاته ، وإن سكت فلأن كاتم الصوت بين شفتيه ، وإن تحرك فالقيود في ساقيه ومعصميه ، وإن سمع فلا يسمع إلا كذبا وإفكا ، وإلا فالسياف لا يلقي بسيفه إلا بعد أن يقط عنقه . وإذا عدنا إلى غزة فكذلك، وإلا الحصار والتجويع والحرمان حتى من عود ثقاب يشعل به الحطب الذي بالكاد جمعه ليخبز على سخونة رماده قرصة يقتاتها صغاره المكتوب عليهم أن يتضوروا وينهش الجوع أمعاءهم؛ عقابا لأبيهم الذي اختار حماس عن قناعة.

 

ينظر أصحاب هذا المشروع إلى حماس على أنها سلبت منهم حقهم الإلهي في استعباد العباد والتمتع ( وحدهم ) بخيرات البلاد ، والتصرف كما يحلو لهم بمصائرهم ، فإن قتلوا  أو سجنوا   أو أبعدوا أو فتكوا ، أو اغتصبوا فلا راد لهم ، وإن باعوا أو فرطوا أو بدلوا أو غيروا فهم الأولى بالوطن ( أرضا وإنسانا وقضية ) من الوطن ومن هنا فلا تتوقف لهم حرب ، ولا يقر لهم جنان ولا يغمض لهم جفن ، ليلا ونهارا يخططون ويمكرون مكرا وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ، لإجراء أضخم عملية تزوير لإرادة هذا الشعب واسعة النطاق اسمها ( الانتخابات ) وإن أبدى الطرف الشريك، وخاصة حماس، رأيا انتفض صائب عريقات كمن لسعته عقرب ( ليطالب الدول العربية الإعلان عن الجهة المعطلة للمصالحة واتخاذ الإجراءات بحقها ، ويتهم حماس وفضائيات بشن حملة لضرب الشرعية ) وإن تصورنا الإجراءات فلن تخرج عن معاني الحصار والملاحقة والطرد وإغلاق المؤسسات وبالتالي التجويع والتعذيب وحرمان الطفولة حق الحياة، أو الحلم في أن تكون لهم حياة ، تسمع صائب فتقول: وهو مسعر حرب!! وعلى من؟!  ولا تخيب له (إسرائيل) نداء؛ فتواصل دك الأنفاق التي تأتي باللقمة والهدمة لأطفال غزة ، وتأتي لهم بقلم الرصاص والكراس ، إذن فلا هدمة ولا لقمة ولا قلم رصاص أو كراس ، لمن يقول: نعم، لمن يقول: لإسرائيل لا ..إنها حرب ضروس .. هي ما نرى شظاياها تمزق أجساد قادة إيران، لأنها تصلب جدار المقاومة، وتقول للإخطبوط الصهيوني: اخرج . وهي التي رأيناها في إهلاك الحرث والنسل في فلسطين وما حولها، ليبقى كل خوان كفور يستبد ويفرط ويأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام ... إنها الحرب ، ولا نفهم، ولا ينبغي أن نفهم ما جرى على أرض إيران إلا في هذا السياق .. إنها الحرب التي أعقبت فرحة ( ما ) رقصت أمام أنظارنا نحن المستضعفين بعد أن رأينا الهزيمة تجلل وجوه أمراء الاستكبار والإجرام من أمريكيين وصهاينة في مجلس حقوق الإنسان ، وانتصرت العدالة لآل السموني وشهداء الشرطة ، ومدارس أطفال فلسطين الأممية، فقالت : نعم لغولدستون.. ولا (كبيرة) للطغاة المجرمين ..فكانت المذبحة لقادة في جيش إيران لتموت البسمة على شفاه المضطهدين .. إنها الحرب الفاجرة الظالمة اللعوب ... حصار ودمار وانتخابات في فلسطين ، وقتل وذبح واضطرابات في إيران .. نفس اليد الآثمة المجرمة العميلة، ونفس الأنفاس النتنة التي تشعلها لهيباً تحت الأقصى.

 

إنها الحرب التي يلوح بها أعداء الإنسانية والقضية ، والتي تأخذ أشكالاً وصوراً ليست خافية على ذي بصر ولو كان كليلا ..!! إذن فما المخرج ؟؟ لن يكون إلا بالوفاق الوطني على الأرض الفلسطينية ، فالجميع يدرك أن التزوير واقع لا محالة بما تقدم، والمصير عندئذ في كف عفريت، إذ لا يسكت المظلوم والمسلوب والمصادر ، وإن سكت حيناً فليس إلى الأبد ، وستعود طاحون الشياطين لتهرس كل شي بإذن الرهط التسعة ، الذين جعلوا من أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون. إذن فالوفاق على العمل المشترك، وعند الشرفاء هو كبير وكثير ، وإلا فالانتخابات هي التزوير والتزوير في أوسع نطاق، وأوسع النطاق هو الحرب ... ولا نامت عين كل خوان كفور...