الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 الساعة 09:10 م

مقالات وآراء

حماس وتقرير جولدستون والعودة إلى الرشد

حجم الخط

بقلم:  مصطفى الصواف      

 

من السخرية أن يتحدث مندوب منظمة التحرير الفلسطينية في جنيف إبراهيم خريشة أن سلطة رام الله لا تمانع من تقديم قادة حماس لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وكأن خريشة أصبح يتحدث باسم (إسرائيل) ولسان حاله يقول إن هؤلاء الذين صمدوا ودافعوا عن الشعب الفلسطيني وتمكنوا من إفشال المخطط الصهيوني الهادف إلى  تركيع الشعب الفلسطيني عبر استخدام إرهاب الدولة وارتكاب جرائم حرب وصفها تقرير جولدستون بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بأن هؤلاء الذين دافعوا صمدوا هم مجرمون ولا فرق بينهم وبين قادة الإرهاب الصهاينة وهذا يدلل بشكل واضح أن خريشة وسلطة محمود عباس لم تعد تمثل الشعب الفلسطيني لدرجة أنها تريد أن تحاكم المقاومة الفلسطينية أمام المحاكم الجنائية الدولية لا أن تدافع  عن الشعب الفلسطيني وحقه في مقاومة الاحتلال لأن هذه السلطة لا ترى في العدو الصهيوني عدواً يجب أن يقاوم، وأن ما فعلته المقاومة هو عدوان على صديق أو حليف للسلطة.

 

والمحزن أن تقرير جولدستون نفسه عندما وجه اتهاماً إلى المقاومة الفلسطينية لم يحدد حركة حماس التي يريد خريشة وسلطة رام الله تقديم قادتها إلى محاكم الجنايات بتهمة ارتكاب جرائم حرب، لأن الفقرتين اللتين تتحدثان عن المقاومة الفلسطينية وما وجه إليها كانت قد بدأت بكلمة قد، وكلمة قد لو كان خريشة يفهم العربية الحقة لعرف أنها تفيد التشكيك وليس القطع أو التأكيد، ورغم ذلك حركة حماس وحكومة هنية أكدتا أنهما شكلتا لجنة تحقيق في الشكوك التي طرحها تقرير جولدستون حول الشبهات التي أشار إليها في موضوع المقاومة الفلسطينية، وإن كانت المسألة ليست بحاجة إلى لجان لأن المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني ومن حق المُحتل أن يقاوم الاحتلال بكل ما لديه من قوة متاحة، وهذا ما حدث في العدوان الأخير على قطاع غزة الذي استخدم فيه الاحتلال كل قوته وكل إرهابه حتى أنه مارس عمليات إبادة جماعية وإعدامات ميدانية للمدنيين بشهادة مؤسسات حقوقية ودولية محايدة.

 

حركة حماس والمقاومة الفلسطينية لا تخشى التقرير ولا تخشى ما جاء فيه، ولو كانت تخشى ذلك لما تعاونت إلى تلك الدرجة الكبيرة التي تعاونت فيها، ولا قدمت لها كل التسهيلات التي مكنتها من إجراء تحقيقاتها بحرية كاملة، الأمر الذي جعل مصداقية التقرير عالية جداً لأنها اعتمدت على شهادات حية، وفي الوقت نفسه الاحتلال الصهيوني رفض التعاون مع اللجنة واتهمها منذ الإعلان عنها بأنها لجنة منحازة وغير مهنية ورفضت السماح لها بالتحقيق في الجانب الصهيوني لأنها تعلم أنها ارتكبت جرائم حرب وهناك من جنودها وضباطها من أكد على ارتكاب جرائم حرب، كما أن العالم كله شاهد الجرائم الصهيونية على الهواء مباشرة ودون أي رتوش أو زيادة، وشاهد العالم حجم الجرائم والإرهاب المرتكب، الأمر الذي لم يمكن أي لجنة في العالم أن لا تقدم ما قدمه تقرير غولدستون.

 

خلاصة الأمر أن ما تقوم به سلطة رام الله ومندوبها في جنيف، عمل مدان من الجميع وكأنهم يريدون أن يعاقبوا حماس والمقاومة على وقفتها التي حركت الرأي العام الفلسطيني للاتجار بدماء الشهداء بعد أن فرط بها المندوب الفلسطيني بناء على طلب قيادته في رام الله.

 

إن قيادة غير قادرة على الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه أمام عدوان إرهابي، لا يحق لها أن تُسمي نفسها بأنها قيادة للشعب الفلسطيني وعليها أن تكف عن المهاترات والحماقات التي ترتكبها، والعمل على التفكير بشكل يخلصها من الغرق في مستنقع معادة الشعب الفلسطيني، وضرورة إعادة التفكير في كيفية التخلص من تعهداتها وعلاقاتها للاحتلال الصهيوني وعدم الارتهان لشروط الرباعية والرغبة الأمريكية، فكل هذه القوى أمام قوة الشعب لا تساوي شيئاً.

 

من هنا ندعو محمود عباس وحركة فتح للرجوع إلى الحق والانحياز لمصالح الشعب الفلسطيني, فما زالت أمامها فرصة حقيقية لتصحيح هذه الأوضاع التي تسير فيها، وأن تواجه الحقيقة بكل جرأة وصراحة وليس عبر حملات إعلامية ممجوجة واتهامات لم تعد تُقنع أحداً حتى من يروجها، وفقاً لمقولة ( رمتني بدائها وانسلت)، الشعب الفلسطيني هو اليوم أحوج ما يكون لنبذ الخلاف والعودة إلى وحدة الصف، ومطلوب من حماس وكل القوى الفلسطينية أن تأخذ بيد حركة فتح وتنتشلها من مستنقع العداء للشعب الفلسطيني، لأن الحالة الفلسطينية لا يقدر على تحملها طرف دون طرف أو قوة دون قوة،  بل الكل الفلسطيني هو الأقدر على حمل الهم الفلسطيني.