من الغريب أن أبوالسلام في القرن العشرين غاندي لم يمنح جائزة نوبل للسلام؟
فكيف يمكن فهم منح الجائزة لمناحيم بيجن الصهيوني، وحرمانها من غاندي أبو السلام، ورسول الرحمة، ومعلن الحقيقة الساتياجراها، ومدشن أسلوب المقاومة السلمية لدحر الديكتاتوريات، كما عرفنا ذلك من نضاله في جنوب أفريقيا، شاقا الطريق لمانديلا، ثم داحر الإمبراطورية البريطانية العجوز في القارة الهندية بمسيرة الملح والعصيان المدني؟؟
فكيف نفهم هذا الثلاثي في منح جائزة نوبل للسلام؟
الصهيوني يمنح والسلامي يحرم؟
والآن من حج إلى أورشليم، واعتمر الطاقية الصهيونية، قبل دخوله البيت الأبيض، وهز رأسه بجنب حائط المبكى وذكريات المحارق الهولوكوست!!
حقيقة إن ذاكرة الشعوب قصيرة!!
ولكن العالم الذي نعيش فيه اليوم غابة.
وكما كان هناك ملك يحكم الغابة؛ فأمريكا اليوم هي أسد هذه الغابة. فكان لابد من إكرامها بكل جائزة وحفاوة ...
وكما تنوعت الضواري التي تسرح في السفاري ، كذلك الحال في الغابة العالمية اليوم:
بين أسد أمريكي، وفيل هندي، ودب روسي، ونمر صيني، وذئب ياباني، ونسر أوربي، وثعلب صهيوني، وجمل عربي، وقرد أفريقي للرقص.
وكما ينص قانون الغابة أن (القوي يأكل الضعيف)، كذلك الحال في غابة الأمم المتحدة، وبالطريقة التي يتفاهم بها حيوانات الغابة، فيبتلع الأقوياء الضعفاء، كذلك الحال في الغابة العالمية..
روسيا تبتلع الشيشان، وسوريا تشردق بلبنان، والعراق يلتهم الكويت، وأمريكا بدورها تلتهم العراق.
تماما كما في أعماق المياه. السمكة الكبيرة تبتلع الصغيرة ..
وحين يرضى ملك الغابة عن مفترس صحراوي، يتجرأ فيتكلم في حضرة الأسد عن مجلس الأمن والعدالة العالمية، في الوقت الذي يفترس غزلان الصحراء مثل فطيرة محشوة بالزبيب...
وفي عالم (الحيوان) يتعرف المرء بسرعة على الكائن من جلده وأنيابه، ولكن في عالم (الإنسان) يبتسم الرأسمالي، بأسنان بيضاء، ويعلق كرافتة حمراء، ويلبس نظارة جورجيو أرماني، ويكذب بقدر جبل.
وصدق (جورج أورويل) في كتابه عن المزرعة (The Farm)، أن الخنازير هم الذين سيديرونها؛ فيسرقون بيض الدجاج، ويسخَّرون الحصان لبناء طاحونة، ويسيطرون على الجميع، بكلاب شرسة مدربة على العضاض.
وعندما يموت ابن الأسد تبكي كل الغابة، وتزدحم الوفود على باب الأسد للتعزية، وحين توزع الجوائز فله طبعا حصة الأسد لأنه أسد الغابة؟
وما يصدر من أمريكا حاليا هو الذي يسود، حتى المصطلحات، فهم الذين عمموا كلمة (العولمة) لالتهام العالم و(الأصولية) بحقنها بمزيد من الأصولية و(الشفافية) بدون شفافية.
فهم الذين يفصلون، ونحن الذين نلبس.
والعالم اليوم لم يعد كما كان من قبل، فكما أدخلت أمريكا الرعب على كل الناس؛ فقد أصيبت بنفس الداء، فلم تعد أمريكا التي نعرف. وتراجعت الحريات، ويبقى العدل أرخص من كلفة ديناصورات الأمن. ولكن من يستوعب الدرس؟
جاء في كتاب (أفضل الخرافات) لـ (جان لا فونتين 1621 ـ 1695م) عن اعترافات الأسد والحمار عندما ضرب الطاعون الغابة. أن الجميع وقف يتضرع إلى الله أن يرفع عنهم البلاء. فقال الأسد يجب أن نقوم بالاعتراف بذنوبنا فنقدم الأضاحي. وسأكون أول المعترفين: أعترف لكم أنني لم أقاوم شهيتي فأكلت الكثير من الخرفان. مع أنها لم تؤذني قط، بل لقد عرف عني أنني كنت أتذوق لحوم الرعاة، وكأنها فطيرة محشوة؛ فإذا دعت الحاجة فأنا مستعد للموت، ولكنني أظن أن على الآخرين أيضاَ أن يعترفوا بذنوبهم؟
همهم الجميع: نعم .. نعم.
قفز الثعلب وقال: كيف تقول ذلك يا ملك الغابة. إنك يا سيدي ملك جيد، وإن وساوسك هذه لمرهفة الإحساس، أكثر مما ينبغي، ولعمري إن الخراف قطعان نجسة فظة، تستحق أن تفترسهم ومعهم الرعيان؟
هكذا تكلم الثعلب فضجت الغابة بالهتافات بحياة ملك الغابة؟!
ولم يجرؤ أحد على مراجعة ذنوب النمر والدب والنسر والثعلب والضباع، فقد اتفق الجميع أن كلاً منها قديس لا يلمس.
وهنا وقف الحمار فقال يا قوم أريد أن أعترف: لقد مررت بجانب دير فأعجبني اخضرار العشب؛ فقضمت منها قضمة، بعرض لساني وملء فمي، وكذلك سولت لي نفسي .. بصراحة .. وهنا ارتفعت أصوات الاستهجان، تندد بالحمار المجرم، وشهد (ذئب) و(ثعلب) عندهما علم من الكتاب: أيها الحمار اللعين؛ لا تتابع فقد عرفنا مصدر البلاء، وشهدت بقية حيوانات الغابة أن الحمار فعلاً منكر الصوت، قبيح الرائحة، متقرح الجلد، فظ الأخلاق، بليد الطباع، لا يحسن التصرف؛ فحكموا عليه أنه لا يصلح لشيء سوى أن يكون طعاما للمشنقة؟!
فكم هو بغيض الاستيلاء على عشب الآخرين؟ ولن يكفر عن هذا الجرم الشنيع سوى موته، فاقتيد الحمار للموت، وهو ينهق بأعلى صوته.
ثم إن حيوانات الغابة وقفت إجلالا للأسد دقيقة صمت فقد حلت المشكلة.
