بقلم: مصطفى الصواف
الأسئلة كثيرة، والمواقف مختلفة، والحال التي عليها الأوضاع الداخلية في حالة غليان، والصدمة لازالت تخيم على المواطنين، والجانب المصري يريد عقد اتفاق المصالحة بين الأطراف الفلسطينية، مع تسليمنا بحسن نوايا الجانب المصري والحرص على إنهاء الانقسام، والتي هي رغبة كافة القوى والفصائل الفلسطينية، لأن الجميع متضرر من هذا الانقسام إلا فئة قليلة من الشعب الفلسطيني التي كانت وراء أسباب الانقسام والمتضررة مصالحها من حالة الوفاق الفلسطيني.
المصالحة باتت استراتيجية وهدفاً أساسياً للكل الفلسطيني، ولكن ما حدث في الشارع الفلسطيني في أعقاب قرار محمود عباس بسحب تقرير جولدستون من العرض على مجلس حقوق الإنسان بجنيف، والذي أحدث حالة غليان اجتاحت الفلسطينيين أينما وجدوا في الداخل والخارج، حتى الصدمة أصابت الأجانب المتضامنين مع القضية الفلسطينية والمتعاطفين مع الفلسطينيين الذين ذاقوا ويلات العدوان الصهيوني، وحتى منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية والمحلية رأت في التأجيل جريمة لا تغتفر، كل ذلك يستوجب إعادة النظر في موعد المصالحة المطروح من قبل الجانب المصري.
في ظل هذه الأجواء هناك إصرار من البعض على ضرورة أن لا يكون لهذه الغضبة الجماهيرية اعتبار، والاستجابة للموعد الذي حددته مصر وهو الخامس والعشرون من الشهر الجاري للتوقيع، والسؤال، كيف يمكن أن يكون هناك توقيع والخطاب الإعلامي على ما هو عليه من علو في الوتيرة، من اتهام بارتكاب الجريمة تصل إلى حد الخيانة، والمطالبة بالاستقالة لرأس السلطة محمود عباس، وهناك من دعا إلى محاكمة من تسبب بذلك، وأخيرا هناك دعوات بالاعتذار للشعب الفلسطيني.
حركة المقاومة الإسلامية، والتي تعتبر جزءاً مهماً من اتفاق المصالحة بل أحد قطبيها الأساسيين واللذين لا تنعقد مصالحة دونهما حماس و فتح، دعت إلى ضرورة تأجيل موعد التوقيع على اتفاق المصالحة وفق الورقة المصرية، والسبب ليس تهربا كما يدعي البعض أو محاولة من التنصل من الجهود المصرية، وضربها عرض الحائط بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني، ولكن الطلب من قبل حركة حماس له ما يبرره، أقلها كيف يمكن أن يكون هناك مصالحة ومحمود عباس متهم بالتفريط بدماء الشهداء؟، كيف تكون مصالحة وجلوس بين فتح وحماس وحالة الغضب الجماهيري الشعبي سخطا على ما حدث في جنيف مستمرة؟، كيف تكون مصالحة حقيقية والنفوس مشحونة ؟، هذا اقل الأسباب التي دفعت حركة حماس إلى الطلب من الراعي المصري بضرورة تأجيل التوقيع على الاتفاق حتى تهدأ الأوضاع الداخلية الفلسطينية وتستقر ويطرأ من الأمور ما يعالج الخطيئة التي ارتكبت، والتي أدت إلى إفساد الأجواء الفلسطينية وتهيئتها لعقد الاتفاق والتوقيع عليه والتقاط الصور التذكارية، وهي لا تتحمل مسئولية ما جرى من تعكير ولكن الذي يتحمل ذلك هو من خلق أسباب التوتر والسخط في كل الشارع الفلسطيني على الأقل.
وسؤالي إلى كل الأطراف، هل المطلوب مصالحة حقيقية تؤدي إلى إنهاء الانقسام وعودة الصف الفلسطيني إلى التوحد على الحد الأدنى من القواسم المشتركة تمهيداً لخلق حالة من القبول العام والشراكة السياسية الحقيقية والعودة إلى الديمقراطية الحقيقية والقبول بها؟، أم أن المطلوب احتفالية وصور وأحاديث إعلامية وزفة ولمة وهيصة وتوقيع وشهود، ونجاح موهوم، ثم عودة إلى الصراع والنزاع، وتعود الأمور إلى وضع أسوء من الوضع الموجود حالياً، كما حدث بعد اتفاق مكة الذي رُفض من قبل حركة فتح، ورفضت تطبيقه على الأرض، وهذا الاتفاق رغم النواقص التي كانت فيه كان يمكن له أن يشكل أرضية لانتهاء الخلاف لو توفرت نوايا حسنة لدى حركة فتح التي ارتهنت إلى غرور القوة والدعم الأمريكي اللا محدود.
نحن نريد مصالحة حقيقية تنهي الخلاف، وليس مصالحة لتحقيق مكاسب سياسية على الورق وأمام وسائل الإعلام دون أن يكون لها على الأرض واقع حقيقي، لن تنفعنا الصور ولا الحفلات ولا شهود التوقيع، ما لم تكن النفوس مهيأة والأرضية جاهزة والقبول الجماهيري سيد الموقف.
على الحكومة المصرية أن لا تعير كثيراً من الاهتمام لدعوات بعض التنظيمات أو ما يسمى بالمستقلين، لأنهم في نهاية المطاف لن يضرهم تأجل أو تقديم موعد التوقيع، لأن غالبيتهم يريدون زفة ويرقصون بها، وحركة فتح هي اليوم أحوج ما تكون إلى احتفالية كبيرة بعد ما جرى في الشارع الفلسطيني من حالة غضب وسخط على سياستها وما أقدمت عليه، وهي تريد احتفالية التوقيع ليس حبا في إنهاء الانقسام؛ ولكن للتخلص من السهام الموجهة إليها من الشعب الفلسطيني وغير الفلسطيني.
المطلوب من الحكومة المصرية إذا كانت حريصة على معالجة الانقسام والوصول إلى مصالحة حقيقية الاستجابة إلى دعوة حماس بتأجيل توقيع الاتفاق حتى تهدأ الأمور، وتعود الطمأنينة للشارع الفلسطيني، ويتخذ محمود عباس خطوات حقيقية تعيد الأمور إلى نصابها قبل فضيحة جولدستون.
التأجيل مطلوب، ولا خوف على المصالحة، لأن هذا التأجيل فيه مصلحة عامة تخدم الاتفاق والمصالحة وإنهاء الانقسام، فالتأجيل لن يصيب المصالحة أو الورقة المصرية بالعطب؛ ولكن يعيد لها حيويتها، لأن الاتفاق لن يكون هو الورقة السحرية لإنهاء الانقسام ولكنها خطوة أولى نحو المصالحة الحقيقية؛ لان بعد التوقيع هناك معركة كبيرة حول العديد من القضايا الخلافية، فإذا لم تكن النفوس مهيأة والعقول لديها قدرة على الاستيعاب وقبول الآخر، فلن تؤدي هذه الورقة إلى مبتغاها، فالتأجيل بات ضرورة حتمية لإنجاح المصالحة المطلوبة، ولإنهاء الانقسام.


