الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 03:53 ص

مقالات وآراء

الخروج عن النص

حجم الخط

بقلم:  د. عطالله أبو السبح

  

سطع نجم اليسار في وطننا العربي في الخمسينيات , وبلغ ذروة سطوعه في الستينيات ثم أخذ بالأفول بعد النكسة (سنة 67) ، حتى وصل به جورباتشوف إلى درجة الوميض المتقطع , واختلفت المدد التي تفصل بين الومضة وأختها باختلاف الجغرافيا والتاريخ , فقد زاوج جورباتشوف ما بين الانفتاح على الغرب متأثراً بديمقراطيته وبين ديكتاتورية البرولوتاريا فيما بشر به من فكر (البيروسترايكا) .. ولقد كان اليساريون العرب أكثر بلشفوكية وأستاذهم فلاديمير لينين من أصحاب الفكرة , وكان أتباع خصمه (تروتسكي ) قليلين كما هم في بلادهم , فإن أراد أن يعير رفيق من الصف الأول رفيقا من الصف الثاني يقول: (تروتسكي!!!)؛ازدراء وتهوينا.. وصل الأمر  باليساريين الذين كانوا يتباهون بشيوعيتهم وثوريتهم على من عاداهم حتى تجاوز حد الازدراء والتهوين , إلى مناصبة العداء والرغبة الملحة في استئصال شأفتهم, خاصة إن كانوا من معتنقي الفكر الديني, وقد شهدت الساحة العربية في العقدين الخامس والسادس أحداثاً جساماً أودت بحياة الكثير من مفكري الحركة الإسلامية وقادتها وروادها على يد اليساريين , الذين اتخذوا من النظرية اللينينية الماركسية الثورية دستوراً ومنهج حياة، واستخفوا بمنظومة القيم والمبادئ المستمدة من الشريعة الإسلامية، التي اعتبروها رجعية وظلامية ومتخلفة, ورأوا فيما يحملون تقدمية وتحررية وثورة , ودخل قاموسنا نحن الفلسطينيين تلك المصطلحات.. بل لا أخرج عن الصواب  إذا قلت: إن الحزب الشيوعي الفلسطيني هو أول حزب شيوعي  عربي نشأ في المنطقة, وليس من المصادفة أن يكون أول منظري الشيوعية في وطننا ومنه فلسطين هم من اليهود ، وقد كان الحزب الشيوعي المصري هو أقواها ، ولا أنكر أنها لعبت في عقول جيل أو جيلين دوراً خطيراً ، فلقد قدم اليسار العربي من الكفاءات الأدبية التي كان لها أثر بالغ في الحياة الثقافية الكثير، ففي العراق كان أمير شعرائهم سعدي يوسف ثم مظفر النواب، وفي فلسطين توفيق زياد وسميح القاسم ومحمود درويش، وفي مصر محمود أمين العالم ومحمد عودة ، ولفيف من رجالات الحكم يأتي في مقدمتهم نائب عبد الناصر علي صبري وخالد محيي الدين ويوسف صديق، وفي فلسطين أيضاً فؤاد نصار ومعين بسيسو وماجد أبو شرار وجورج حبش ونايف حواتمة (الأردني)وكل زعامات الجبهات الفلسطينية وبعض من قيادات فتح الذين كان لهم دور بارز في الحياة الكفاحية الفلسطينية ,ولكن لم يكن من السهل في – الغالب - إيجاد حالة من الانسجام أو التفاهم مع التيار الديني, وقد تجلى ذلك واضحاً في كتابات رفعت السعيد(مصر) عن الإخوان ومن قبل محمد عواد والعالم ، ثم حسين مروَة في لبنان , وإميل توما وإميل حبيبي في فلسطين أيضاً وعلى آثارهم سار الكتاب العلمانيون ذوو الفكهة اليسارية كسيد محمود القمنى وفؤاد نصار وغيرهم , ولقد كان عدم الانسجام هو الحالة الظاهرة في العلاقة بين الطرفين , التي قد تبلغ درجة السخونة إلى درجة الاشتباك , وهذا ما جرى غالباً على الساحة الفلسطينية مطلع الخمسينيات حيث كان الأخوان القوة الشعبية الأولى ويأتي من بعدهم بمراحل الشيوعيون وأما القوميون فكانوا في بدايات الإلتفاف حول شعارات عبد الناصر، التي لم تلق ترحيباً من الطرفين , فحكم فيهم عبد الناصر العصا ، ورغم أنهم كانوا في الهم سواء إلا أن الهم لم يوحدهم فكانت الاحتكاكات بين الطرفين غالبة ولو بالتلاسن ، والذي يرجع إلى مذكرات معين بسيسو ( الشيوعي ) يجد الكثير من المواقف المتنافرة حقيقة المتآلفة شكلا وظاهرا... وبهذا نفهم هذا التباين في المواقف بين اليسار الفلسطيني والذي يأتي في مقدمته الجبهة الشعبية ، وبين التيار الإسلامي والذي تأتي حماس في مقدمته ، ففي الوقت الذي يقول قادة اليسار في فتح ( حركة وقيادة وأيدلوجية !!) ما لم يقله مالك في الخمر ، ولا يكاد يجمعهم مع فتح إلا حصتهم من المال العام، وما خصصه عرفات لهم من الصندوق القومي الفلسطيني ، أقول: لا يجمعهم جامع ولا ناظم ، حتى وإن جمعتهم مؤسسات ( م.ت.ف ) ولكنهم سرعان ما يصطفون إلى جانب فتح في مواقفها ضد التيار الإسلامي ( الانتخابات - تشكيل الحكومة – التصويت في المجلس التشريعي ) وأخيراً التوقيع من عدمه على ورقة المصالحة المنشودة ، حتى بعد الفضيحة بدعوى وبغير دعوى ، وهم يرون هذه الخطيئة العظمى التي وصلت إلى درجة خيانة الدم الفلسطيني ، التي اقترفها محمود عباس، ففي الوقت الذي نسمع منظريهم في الأماكن المغلقة أو الفردية غير المعلنة ساخطين ورافضين نسمعهم في العلن بما يخالف ذلك ، الأمر الذي يدعو إلى الحيرة وإلى البلبلة أحيانا ، إن اليسار الفلسطيني ينظر إلى قيادة فتح بأنها تنصلت من الثوابت، وتنكرت للميثاق الوطني الفلسطيني ، ولكنه يصطف إلى جانبها عند أي خلاف أو نزاع مع التيار الديني (ليس حبا في علي ولكن كرهاً في معاوية) إذا جاز لي التعبير ، إن الموقف الأخير من اليسار الفلسطيني ليس مستهجناً ، ولكن كان البعض يتوقع غير ذلك ، فيكون أكثر توازناً وعقلانية وعدلاً ، فلقد خطأ فعلة عباس كل عاقل ومنهم  عزمي بشارة الذي قال في مقال اكتسب شهرة تحت عنوان ( حين يمشي العار عاريا ) بات شرخا بين سلطة موالية للاحتلال وحركات مقاومة دينية الخطاب غالبا ، وتستخدم هذه الحقيقة أي دينية الخطاب عند حركات المقاومة من قبل مؤيدي التسوية أو أعداء المقاومة ، وحتى من قبل فصائل ضعفت مكانتها للتهرب من المسألة المركزية وهي الفرق بين حركات مقاومة من جهة ومن يتعاون مع الاحتلال في قمع المقاومة من جهة أخرى ، بهذا التشخيص ووضوحه تحدث عزمي بشارة الذي لا شك أن جذوره يسارية، ولكنه آثر أن يكون مثقفاً ومفكراً عروبياً، يحمل الهم الفلسطيني كأشرف ما يحمله مقاوم شريف، استحق بموجبه الإبعاد عن الوطن، والمطاردة من قبل الصهاينة، والتضييق من قبل اليمين الفلسطيني الذي تمثله فتح والذي يعتبره اليسار رجعيا، ولكن بالمقارنة مع التيار الديني ( حماس ) فهو في أقصى اليسار ، وهنا سؤال : متى يحدد اليسار الفلسطيني موقفه؟ ومتى يقف عند مبادئه في المقاومة وعدم الإقرار بهذا الهوان المسمى بالمفاوضات ؟ ومتى سيقول كلمته في هذه المهزلة المسماة اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي وقيادة عباس ل( م. ت.ف)؟ متى يقول: لا لهذه الجريمة؛ موقفا لا بالكلمات، التي تخرج على استحياء ؟ ومتى يرتقي قرار اليسار ويترفع عن المال المسيس أمريكيا وصهيونيا، ولا يقحم الموقف تجاه الدين في العلاقة بين مقاوم ومقاوم؟ إن الشيوعية قد فقدت مبرر وجودها على مستوى( الإنسان والكون والحياة ) ، إلا أنها في الكون الفلسطيني والإنسان الفلسطيني والحياة الفلسطينية فيها بقية من رمق، يؤدي بها إلى هذه المواقف الهلامية .