الجمعة 26 ديسمبر 2025 الساعة 09:29 م

مقالات وآراء

هي طبيعة السلطة وليست أزمة القيادة فقط

حجم الخط

بقلم: ياسر الزعاترة

 

بصرف النظر عن مآل فضيحة غولدستون ، وإمكانية أن يجري توفير شبكة أمان للقيادة التي تورطت فيها ، وبالطبع لأنها الأكثر خدمة للمصلحة الإسرائيلية والأمريكية ، فإن من العبث برأينا التعاطي مع فضيحة جنيف بوصفها قفزة خارج السياق ، ولا بد من النظر إليها كجزء لا يتجزأ من منظومة لا يمكنها العمل ضد الاحتلال على نحو يفرض عليه ما لا يريد.

 

عندما وُقع اتفاق أوسلو في العام 1993 قال العقلاء الكثير في نقد مضمونه ، هو الذي فاجأت به قيادة فتح والمنظمة الجميع ، ذلك أن نصوص الاتفاق لم تكن تتحدث في جوهرها سوى عن تخليص الإسرائيليين من الأعباء القذرة المترتبة على الاحتلال ، فيما يذكر بمشروع روابط القرى في السبعينيات.

 

كان جوهر الاتفاق هو تخليص الاحتلال من عبء الصدام مع السكان الفلسطينيين (كانت الانتفاضة قد انتقلت من الحجارة إلى الكفاح المسلح) ، إلى جانب تخليصه من عبء الإدارة الاقتصادية (كلفتها حوالي 2 مليار دولار سنويا) ، فضلا عن تخليصه من العبء السياسي المترتب على صورة الدولة العبرية كدولة محتلة في وعي الرأي العام العالمي.

 

كان رد ياسر عرفات هو أن بوسعه تحويل هذه العودة 'المظفرة' من المنافي إلى محطة لإقامة الدولة الموعودة على الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس (تذكرون نظرية الفاكهاني ، أي حكم لبنان من منطقة الفاكهاني في بيروت) ، لكن تصميم الاحتلال للاتفاق وإشرافه المباشر على التطبيق ، وميزان القوى الاستخباري والعسكري المختل لصالحه جعل كل شيء يسير وفق تخطيطه ، إذ دفع الفلسطينيون كل ما عليهم من التزامات ينص عليها الاتفاق ( في مقدمتها قمع القاومة) بينما لم يدفع المحتلون سوى ما يريدون (صعّدوا الاستيطان والتهويد وزادوا من اختراقاتهم لبنية السلطة وقيادتها). وعندما آن أوان المفاوضات النهائية لم يقدموا لياسر عرفات سوى تحسينات شكلية على السلطة التي بين يديه على مناطق (أ) و(ب) لتشمل (ج) بحسب تصنيف الاتفاق ، أي حكم ذاتي بمسمى دولة هي عبارة عن كانتونات مجزأة من دون القدس ولا عودة للاجئين.

 

حاول ياسر عرفات من خلال الانسجام مع انتفاضة الأقصى أن يفرض على الإسرائيليين تغيير العرض المقدم إليه ، لكنهم قاوموا ذلك بشدة ، وما شجعهم أكثر هو توفر قيادة أخرى في السلطة لديها القابلية المطلقة لرفض العنف وقبول واقع السلطة بصرف النظر عن نتيجة المفاوضات (حاولت هذه الأخيرة الانقلاب على الرجل عسكريا وتحجيمه سياسيا بقوة الخارج) ، فكان أن قرروا التخلص منه ، بصرف النظر عما إذا كانت مساهمة تلك الفئة في قتله قد اقتصرت على التشجيع الضمني أم تجاوزت ذلك.

 

كان شارون في حينها قد بلور صيغته للحل وأسس تاليا لأجلها حزب كاديما ، وانسحب من غزة ، وخلاصة الصيغة هي حل انتقالي بعيد المدى يكرس واقع السلطة ـ الدولة على الأراضي التي يتركها الجدار من الضفة ، أي حوالي نصفها وترك قضايا الوضع النهائي إلى زمن بعيد 15( سنة في أقل تقدير) ، ولاستكمال اللعبة قُتل الشيخ ياسين والرنتيسي ، وألحق بهم ياسر عرفات ، ورتبت الخلافة للفريق الآخر معروف الوجهة.

 

كان المخطط أن يحصل عباس على ما تبقى من الشرعية بعد الرئاسة من خلال المجلس التشريعي لكي تمر اللعبة ، فكانت المفاجأة التي عطلت المشروع ممثلة في فوز حماس التي اعتقدت أن بوسعها تغيير طبيعة السلطة من خدمة الاحتلال إلى خدمة الشعب وحماية المقاومة.

 

والحق أنه لو لم تشارك حماس لمرّت اللعبة لبعض الوقت ، لكن جدارها المسدود كان أمام الأنظار ، لأن الشعب الفلسطيني لم يكن ليقبل صيغة (لقمة العيش مقابل الكرامة والتحرير) ، فيما لم يكن بوسع السلطة أن تحصل على اتفاق مقنع يقبله الناس ، والنتيجة هي انتفاضة جديدة.

 

الآن يثبت لجميع العقلاء أن هذه السلطة هي في واقعها وبنيتها عبء على نضال الشعب الفلسطيني ، إذا لا يمكن لقيادة أن تقاوم الاحتلال بينما هي تعيش تحت ولايته في كل شؤونها ، والنتيجة أن حلّها هو الحل (وصف محلل إسرائيلي هذا السيناريو أيام عرفات بالسيناريو الكابوس) ، ما يعني أن الوحدة الوطنية ينبغي أن تتم على أساس حلها وإعادة تشكيل منظمة التحرير كقيادة لكل الشعب الفلسطيني تقود مقاومته ضد الاحتلال.

 

ثمة تفصيلات كثيرة في السياق تطرقنا إليها غير مرة ، لكننا نذكّر بكل ذلك على أمل أن يصحو الذين يعتقدون أن هكذا سلطة ، وبهكذا قيادة همها مصالح الأبناء والمحاسيب يمكنها تحقيق الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني.