الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 03:54 ص

مقالات وآراء

الماشطة والوجه العكــــر

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح 

 

آخر التصريحات المحترمة من جوقة السلطة ما جاء على لسان إبراهيم خريشة الذي مفاده (أخطأنا في تأجيل غولدستون ، ولم نتوقع ردود الأفعال ، ولا نجد خطأ في التراجع عن موقفنا ، ونكون أول قيادة عربية تذعن لمطالب شعبها ) و ليت إبراهيم لم يستخدم صيغة ( نـا ) المتكلمين و تواضع فاكتفى بـ ( أخطأ عباس ) مثلاً ؛ باعتباره الآمر الناهي ، وشيخ الغفر الذي لا  يحرك ساكناً ، ولا يسكن متحركاً من ( أ ُرْطـَتـِه ) إلا بإذنه ، و قد عودتنا ( نحن الشعب الفلسطيني ) القيادة الفلسطينية  الجاثمة على صدر القضية بهذا المسلك الفردي جدا ، العبقري جدا ، و بالتالي المتهور جدا ، و اللعوب جدا ... عودتنا القيادة بألا صوت يعلو فوق صوت القائد ، ولا قرار إلا قراره ، ولا تراجع مع - سبق الإصرار على الإعجاب بتراجعه - إلا تراجعه ، وبالتالي فهو الزعيم والملهم والرمز ، يصفق له جنده إذا ما قال ( نعــم ) كما يصفقون له إذا ما قال ( لا ) في ذات الوقت وفي ذات القضية ، ولا يكتفون بالتصفيق جلوساً بل وهم قيام ، ولا بأس لو رقص البعض ، فلكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ولكنه أيضا في نفس الاتجاه حتى وإن مات نيوتن كمداً وحسرة على قانونه الذي ضيعه الأتباع ، لم يشأ خريشة أن يعين شيخ الغفر بأنه هو الذي أمر بل قال ( أخطأنا ) فمن هم الذين أخطؤوا ومن هم الذين تراجعوا ؟! ... لقد كان صائب عريقات أكثر جرأة عندما قال ( إن عباس لا يتهرب من تحمل المسئولية ) و أتمنى ألا تكون ( عبارته )  قد أ ُقـِرت في الهيئة العليا للتنسيق الأمني و حظيت     برضا أولياء أمر القضية الفلسطينية الثلاثة ؛ أوباما  باراك  عباس ، ووزراء خارجياتهم ( هيلاري ليبرمان المالكي )  و يستطرد خريشة : ( ولم نتوقع ردود الفعل ) وهذا أمر عجيب !!... جيش المستشارين من كل صنف ولون و من كل لسان ... أين الخبرة التي تراكمت على مدى خمس وأربعين سنة خلت منذ إطلاق الرصاصة الأولى و عملية عيلبون ؟! أين عباس من تقدير الموقف و فهمي الزعارير و جمال نزال و ياسر عبد ربه ؟! ثم أين محمد دحلان و رشيد أبو شباك و يوسف عيسى؟! أين وحدات دراسة التوجهات السياسية و الرأي العام و استبياناتها ومختبراتها ؟ وأين مراكز البحث بل وأين المعايشة لهذا الشعب و الفضائيات و أصوات الجرحى و الثكلى و المعوقين ؟! كيف غابت عن ذهن ( نا ) الجمعية - على حسب استعمال -خريشة هذا إن افترضنا أن الخطأ  جمعياً و ديمقراطياً ... لا فردياً ، ومن عقلية خرفة أو مرتهنة  أو سارحة في حساب الأرباح التي سيجنيها ( ياسر وطارق ) بعد عام من عمل شركتهم العتيدة المرخصة من وزير الدفاع أيهود باراك حبيب القلب من جوة ...

 

أين المجلس الوطني بكل كوادره وخبرائه وسياسييه وأين اللجنة التنفيذية و المجلس المركزي و المجلس الثوري ؟! ... أكـلُّ هؤلاء على جلالة أقدارهم و فقههم و أدمغتهم أخطؤوا في تقدير ردود الأفعال... إذن إن هم إلا مجموعة من المخدرين أو المغيبين أو الحاضرين الغائبين أو المتواطئين ... مع أن القرائن جميعاً ترجح أنهم حاضرون غائبون ومتواطئون ، وبالتالي فلا يحق لخريشة أن يستعمل ( نا ) المتكلمين ، فلقد ذابت هذه المجاميع في شخص عباس ، وشخص عباس لم يعرهم – لذوبانهم – اهتماماً  فكان الأحرى أن يقول ( أخطأ عباس ..) و يطـَّرد هذا النسب باطراد آثاره المدمرة على القضية و مخالفتها لأبسط حقوق القتلى و الهدمى والمسرطنين – كيف لا تقدر هذه المجاميع ردود الفعل  وهم يزعمون أنهم قيادة شعب يثور لكرامته و يودع شهداءه بشهدائه؟ ! كيف لا يقدرون ردود الأفعال و هم يرون شعباً يضرب السفاح شارون بأطنان من الأحذية بمجرد أن أقدم على الاقتراب من باحة المسجد الأقصى ، و دفع الثمن غالياً من فلذات كبده ؛ فقدمهم شهداء ، كما دفع الثمن أيادٍ تطايرت وسيقان بـُترت ... كيف لا يقدرون ردات فعل شعب يشهد له الكون برفضه الضيم و الهوان و لا يعطي الدنية إذا ما خـُدشت كرامته ، ويأكل لحم جلاده إذا جاع طفله ، ويحطم قيده و زنزانته إذا ما حبسوا عنه الحياة أم هو فعل الماشطة في وجه عباس العكر ... ويستطرد خريشة ( ولا نجد خطأ في التراجع عن موقفنا ) و أقول : ليت هذا صحيح ، ويقع في واقعنا الفلسطيني ، وعلى كوكبنا ، وهنا يـَعـِـنُّ لي سؤال غير برئ ، كل الدنيا تقول لكم تراجعوا عن هذه المفاوضات العبثية و لا تزالون فيها غرقى ، ومئات اللاعنين على رأس أوسلو و لا تراجع ، وآلاف قد دقوا أجراس الخطر و أضاؤوا المصابيح الحمراء تحذيراً من خطر مال ( انابوليس) و لا تراجع ، و ألف ناصح ألا تشعلوها حروبا ً أهلية و لا تقدموا مبرراتها في عمان ، في لبنان و في غزة ، في الضفة و لا تتراجعون ، وألف من أنكر عليكم هرولتكم ولهاثكم وراء  وعود سرابية من كلينتون وبوش و باراك أوباما ثم من شامير و شارون و نتنياهو و باراك و تسيفي ثم نتنياهو ... ولا تراجع بل تزداد وتيرة الهرولة انهياراً و تردياً أم هو فعل الماشطة في وجه عباس العكر ، ثم هذه المخازي و الفساد و النظام اللانظام و أشباه الرجال و المنحطين و العملاء و الاتفاقيات المهينة التي ما زادت هذا الشعب إلا رهقاً و أبناءه إلا انحلالاً و احباطاً ... حتى وصل الأمر إلى  أن تحول المناضلون إلى مهربين للجوالات و ( السريلنكيات ) و بنات الليل و نادلات شاليهات المجون ، ومدراء تلفزيون فلسطين و الفلسطينية الذين أدمنوا الأفلام الهابطة و التافهة و المنحلة ( والبورنو العربي ) و الفوازير الحقيرة المنحطة و مذيعة أكثر انحطاطاً و حقارة .. فأين التراجع عن الخطأ في كل ذلك أم هو فعل الماشطة في وجه عباس العكر ؟!! وليت خريشة قد توقف هنا و لم يقل ( إنها أول قيادة عربية تذعن لمطالب شعبها )... كذبــــة كبيــــرة يا إبراهيم ... فلقد سقطت ورقة التوت التي كانت تستر سوءاتكم .. الدنيا كلها حكمت على هذه الفعلة بالخيانة و الخطيئة و الجريمة لا الخطأ و كانت غضبة مضرية مزلزلة طالبت وتطالب بإصرار أن يحمل عباس عصاه على كاهله و يرحل فلقد بلغ السيل الزبى .. ولكن بعد محكمة ثم ( إلى مزبلة التاريخ أيها الخائن محمود عباس ) فانكفأ على ذاته ، و أومأ ( لكم ) أن تمسحوا وجهه ( الوسخ )في وجوهكم الأشد ( وساخة ) فما جرى ليس خطأ و لكنه خيانة عظمى ولا يمكن أن تفلح الماشطة ( الكوافيرة ) في تجميل هذا الوجه الدميم  ... ثم يبدو أن ذاكرة خريشة ضعيفة فقد أقر عبد الناصر بالخطأ إثر انفصال سورية عن مصر و فسخ الوحدة سنة61، كما أقر بالخطأ سنة 67 إثر النكسة و تنحى كما يفعل كبار القادة في العالم فهل سيتنحى عباس ؟! وأقر بها حسن نصرالله إثر حرب الجنوب و ما نجم عنها من دمار و لكنه كان منتصراً و قائداً فذاً ، فهل أقرت القيادة الفلسطينية بما سببته لهذا الشعب من كوارث كتلك التي حلت به في الكويت إثر اصطفافها إلى جانب الاجتياح العراقي ... يبدو أن خريشة يكره التاريخ أو هو بليد فيه أو من كبار مزوريه كأساتذة الكذب ( الفلسطيني) ، فإن القيادة الفلسطينية ( !! ) لا تزال سادرة في غيها و تصدر لنا أكاذيب لتبرير الجريمة ، و لا تزال تعرض لنا الأمر وكأنه ردود فعل و حسب  .. و هذا ( عار يمشي عارياً ) كما وصف عزمي بشارة ، وإذا كانت القيادة الفلسطينية جادة في التكفير عن هذه الجريمة فلا أقل من طرد عباس و مستشاريه ، ولا أقل من لجم الألسنة التي تبرر أو تدافع عن هذه الجريمة و لا أقل من العودة إلى قيادة جماعية لهذا الشعب لا إلى تنفيذ خطة ميتشل في انتشال عباس من المستنقع الذي تبين أنه غارق فيه إلى هذا الحد ... بل إلى الانحياز لهذا الوطن ( إنساناً وأرضاً وقضية) و لن تفلح الماشطة في تجميل هذا الوجه العكر يا إبراهيم خريشة.