الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 03:59 ص

مقالات وآراء

ومن الحب ما قتل

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

هذا الحب العارم الذي يجتاح المقاطعة في رام الله يوشك أن يقتلها وللأسف – وكما قيل :

 

عين الرضا عن كل عيب كليلة     كما أن عين السخط تبدي المساويا

 

 فقد عميت عين المقاطعة عن الدهاء اليهودي الذي وصل حد السفالة والانحطاط ، فما رأت أجهزة التسجيل المزروعة تحت كرسي الدكتور محمود عباس ولا الكاميرات التي بحجم عين سمكة السردين ، والمبثوثة في كل مكان ، ترصد أصوات الجواسيس وحركاتهم ، قبل الفدائيين خاصة إن كان الزارعون من أخص خاصة الياوران ، ومن هنا ولدت المصيبة التي تحيق بهذا الثنائي ، والذي هدده ليبرمان بكل ثقة بنشر استجدائهما حبيب القلب والفؤاد باراك ، شريك السلام ، وتلميذ الأخ و الصديق والشجاع والوفي اسحق رابين؛ أن ( يتوصى ) بغزة حرقا وتدميرا وذبحا من الأرض ومن البحر ومن السماء، بمختلف أدوات الإجرام والدمار الشامل ، ولا بأس إن امتدت الحرب ليوم أو يومين أو ... حتى تسقط حماس ، ويرى المتوسلون إسماعيل هنية مكان صدام ، يتولون شنقه ، بعد استباحة غزة ليوم أو يومين أو ثلاثة ، حتى تخر عائمة في بحر من دماء جند حماس وقادتها، وراكعة على أقدام مستشار عباس للأمن القومي، وتلاميذ كوندا من خريجي 'السي آي إيه' والموساد والكي جي بي ، وأكاديميات وزراء الداخلية في كل المعمورة، ولكن خاب فألهم وفأل باراك تسيفي .

 

حاصت المقاطعة وباصت عندما هدد باراك بكشف المستور وفضح الزر, وقد أفاقت على التهديد الجاد الذي عرض به الدوبرمان ليبرمان في أمريكا، وعلى مقربة من الأذن اليمنى لمحمود عباس، ولما يبرد صدره من حضن نتنياهو الدافئ ( إذا لم يسحب الفلسطينيون شكواهم ضد (إسرائيل) لجرائمها في غزة فلا مفاوضات سلام ) ثم ( لماذا يشكوننا وقد طلبوا منا ذلك – بل حاربوا غزة معنا جنباً إلى جنب !! ) كان من الممكن للمقاطعة أن ترمي الدوبرمان ليبرمان بالكذب، ولكن صمتت صمت أهل القبور، حباً في مفاوضات السلام، حتى قطع صمتها واحداً من أهم شرايينها ، وإذا بريتشارد غولدستون يقطع شرياناً آخر إثر رضوخ المقاطعة لتهديد باراك بكشف المستور وفضح الزور ، فطلب إبراهيم خريشة التأجيل وهنا مأزق أخلاقي وسقوط مدو في بركة آسنة .. فبادر صائب ينفي الطلب ، فأكده إبراهيم خريشة ، فانثقب طوق النجاة ، فبادرت المقاطعة بإلصاق التهمة بسلام فياض عملا بالمثل الشعبي ( العيب من أهل العيب مش عيب ) كطوق نجاة بديل ، وبالتالي انتشال مؤسسة السلطة التي تديرها فتح من هذا السقوط الأخلاقي والقانوني المريع ، ولكن هذا لم يقنع أربعين جمعية حقوقية دولية ولا غولدستون ولجنته ، الأمر الذي اضطر ( الزمرة ) للبحث عن طوق ثالث، لعل وعسى ، فكان التبرير بأن الطلب إنما كان بهدف العمل خلال الستة الأشهر على حشد أنصار وأصوات ومؤيدين للطلب الفلسطيني بمقاضاة حكام تل أبيب ومجرميها الذين ( وروا ) العين الحمرا لأزلام المقاطعة بكشف المستور وفضح الزور، وبذا أصبحوا بين نارين : نار الاستياء المتأجج وإساءة الظن والرمي بالعمالة للصهاينة بمشاركة المجرمين إجرامهم منضافاً إليه استنكار المنظمات الحقوقية العالمية لهذا الطلب، مع الصدمة الهائلة التي أطبقت على صدر غولدستون وصحبه ، وأما النار الثانية فهي العين الحمراء لمجرمي الصهاينة الذين يتوعدون المقاطعة, ويهددونها بكشف المستور وفضح الزور ... فهربت المقاطعة إلى أسخف حيلة وأحقر وسيلة ( عباس يصدر قراراً بتشكيل لجنة لبحث ملابسات تأجيل تقرير غولدستون ) على ذمة ( وفا ) غير الحمساوية وأيضا حبا في السلام, ومفاوضات السلام ، ولا أرى رئيسا لها غير الطيب الذي يهدده باراك كما يهدد عباسا بنشر فيديو بينهم ومكالمة صوتية يطالبانه فيها باستمرار حرب غزة؛ ولذا أمر عباس بتأجيل النظر في تقرير غولدستون على ذمة ( شهاب ) الحمساوية !! التي أطالبهما بتكذيبها، إن كان لديهما ما يؤكد ذلك، وإلا فهي صادقة ، وهما مجرمان ، فقطع شريان ثالث بانثقاب الطوق الرابع للنجاة من هذه البركة الآسنة، ولا أرى المقاطعة إلا غارقة فيها لا محالة .. إن الحب الذي قتل، كل هذا في الوقت الذي تحقق المقاومة الفلسطينية مقدمات انتصار أراه كبيرا ، فلقد نجحت في تحرير عشرين من حرائرنا، فذاق شعبنا طعم النقاء الثوري ، وبلا استثناء أو تمييز، لا المستنقع الآسن ، ورأى العالم (إسرائيل) تجثو وتركع تحت أقدام المقاومة على حد قول يديعوت أحرونوت ، كما رأى صورة شاليط يرفع اسم ( فلسطين )، ويقر للقسام بالجهاد ، وهو سليم ومعافى ومبتسم ما يؤكد تحلي مجاهدي حماس وصحبهم بالأخلاق الثورية، والإنسانية السامية السماوية مقابل أخلاق الهمج ( والزط) التي تتملك الصهاينة ..

 

ورأى العالم ( زلمة ) المقاطعة وهو يقر للحرائر بأن تحريرهن إنما هو مكسب للجميع، بعد أن وصف سببه ( قبلا) بالإجرامي والحقير ... فرأى العالم-بذلك- تناقضا وأي تناقض ، في الوقت الذي رأى فيه إسماعيل هنية بوجه واحد واثق، ومبدأ واحد لا اختلاف فيه أو تعارض أو تناقض ، فقتل الأول حبه لسراب خادع اسمه السلام مع يهود، وتفاوض وتفاوض وتفاوض .. هذا إن أحسنا الظن في حين أن الآخر يحرص على الموت ليحيا وطنه ومبادؤه.

 

رأى العالم غزة تستقبل فاطمة وروضة بكل ثائر؛ حبا ويقينا وثورة ، مجددة العهد على المضي في درب التحرير ( نموت واقفين ولن نركع ) في الوقت الذي تستقبل فيه المقاطعة ثماني عشرة حرة وهي كسيفة البال نازفة الشرايين.

 

ورأى العالم رائد صلاح وجمال خطيب ومئات الذائدين عن الأقصى، كما رأى هراوات دايتون تمنع أهلنا من الاصطفاف وراء الأقصى, ورأى أهل غزة يصرخون ( لبيك يا أقصى ) وسمع العالم عبر العربية السيد عمرو موسى وهو يقول (تأجيل عرض غولدستون هو خطأ كبير، وأولى تداعياته ما حدث اليوم في الأقصى).

 

 وليسمح لي الأستاذ موسى أن أسأله : ماذا أنت فاعل للأقصى ؟ وإذا ما كان عباس وراء ذلك، فهل هناك من مبرر لاستمرار دعمك له بصفتك الرسمية الاعتبارية ؟

 

إن المقاطعة أشفقت على الحب حتى ليكاد الحب يقتلها, ولكن ليس في السلام ولكن في بركة آسنة ، ( من أسمائها غير الحسنى ) : المفاوضات من أجل السلام ، حتى لو ذهب الأقصى !! فهل إلى خروج من سبيل ؟! ولا نامت أعين الجبناء.