بقلم: د. عطالله أبو السبح
أرجو أن يصلك هذا الشكر لموقفك الإنساني الذي نفتقر إليه، فلقد جئت إلى غزة الجريحة يوم أن مزقتها قنابلهم، ولكنها لم تمزق إرادتها، وسالت مشاعر ألماظة السموني على أهلها، وقد شاهدت مصارعهم وهي بعد في أول أيام صباها، لتعيش بؤس اليتم وحسرات الفراق، وقد شاهدت السائل الزجاجي يتحول في عيون لؤي إلى شظايا من الزجاج، فذهب عنهما الضياء، وحل الظلام فيهما إلى الأبد وهو بعد ابن التاسعة، والفاعل يا أيها الضيف العزيز معروف إنه باراك، وإنها تسيفي ليفني إنه أولمرت، وبإلحاح من تلاميذ الجنرال الأمريكي كيث دايتون، الذين كانوا يتوسلون للقتلة ألا يرفعوا السيف عن عنق غزة حتى يفصل رأسها (الذكي) عن جسدها، لتحكمها من بعد أجساد بلا رؤوس أو برؤوس صهيونية.. جئت وغزة يذبحها يهود ويجعلون من أطفالها قرابين، ومن دمائهم شراباً (لكريات أربع) و(بن براك)، و(هارحوماه).. جئت إلى غزة وقد ملأ سماءها طنين طائرات التجسس الأمريكية، التي تقذف بالموت كل حي وحارة وزقاق قد زحف إليها النسيان.. ورأيت، وبكيت، واعتصر قلبك ألماً.. جالست مثقفي غزة والأميين، وصكت سمعك أنَّات الجرحى ومقطعي الأوصال ومفقوئي الأبصار، ومبتوري السيقان والسواعد، رأيت التواكل والأرامل وبنايات المدارس المهدومة ورأيت خياماً مهترئة يأوي إليها المدمرة بيوتهم، بهلاهيلهم وأسمالهم، رأيت الشيوخ الذين طحنتهم السنون، والأنقاض، ورأيت أشجار الزيتون التي اجتثتها أنياب تسيفي ليفني وكلاليب العم سام.. وحملت كل ذلك.. وذهبت إلى (لاهاي) لتقدم تقريرك عن حرب (إسرائيل) على غزة.. فماذا تراك ستحقق..؟؟ أعلم يا صديقي أنك غير مفوض بتقصي الحقائق وإنما هي (نخوة) إنسانية لا ترتقي سطورك إلى (وصايا) وهي نخوة نفتقدها بحق، فلم يأتنا حقوقيون، عرباً أو مسلمين، قد نعذرهم بعدم القدرة على اجتياز الأسلاك المضروبة على غزة خوفاً من أشواكها التي استطالت حتى وصلت إلى أفئدة العواصم، وقد نعذرهم أنهم محكومون بمراسيم الحكام، أو أوامر العسكر؛ بأن غزة منطقة محرمة، ممنوع فيها التصوير والاقتراب والمشاهدة، وبالتالي فقد ران على قلوبهم الجهل بغزة، وليس لديهم من ثقافة الانتماء لها، ولا الغضب للظلم الذي يغشاها، ولا الألم لمواجعها.. وقد نعذرهم بأن اكتفوا بالدعاء دون البكاء، وبالهمس دون الإفصاح؛ خشية قيد وسجان ونائب وزائر عند الفجر.
وللحق، فإن موقفك فيه (رجولة) كم تمنيناها أن تولد في صدر ولكنها استعصت فلم نرها.. ومنينا أنفسنا أنها موجودة، وسيأتي لها يوم وتأتينا، فلا يعقل ألا يكون رجل في أمة فيها مائة وخمسون مليون ذكر.. وإننا على أحر من الجمر في انتظار قدومه. ولا شك أنه مع الفجر آت، والفجر لا محالة آت آت.
نعلم أيها الصديق أن المؤسسات الدولية يحكمها الصهاينة وذيولهم وأذنابهم، ونعلم أن القوة الأمريكية الغاشمة هي المحرك ولو بالإكراه والقهر لتلك المؤسسات، ولكن، وأنت الشاهد الحي لما جرى لغزة تتحدى الصهاينة والقوة الغاشمة لتقول كلمة صدق، وتسمع الدنيا صرخة الألم الذي مزقت أكباد الجبال، وحسبنا منك ذلك.. لا نؤمل كثيراً يا صديقي على تقريرك، فلن يُلاحقَ القتلة والمجرمون من الصهاينة، ولن يعاتبوا، ولن يشار إليهم ولو بعود ورد بالاتهام، فضلاً عن الإدانة، فمثلهم في ذلك مثل شامير، وبيجن وجابو تنسكي، وشارون وموشيه ديان واسحق رابين وبن غوريون وعشرات العشرات من القتلة والإرهابيين، والذين فاقت جرائمهم ما فعل نيرون، وأتاتورك، وستالين وهتلر وموسولونى وميلوسوفيتش، ومن المؤكد أنك تابعت شكوى عائلات فلسطينية ومطالبتها بتقديم باراك للمحاكم الدولية، أرأيت موقف المحاكم البريطانية وأخواتها.. إنها رفضت يا صديقي رغم أن باراك هو من خاض حتى حزامه في دماء غزة، واخترقت حرابه عظام صدرها.
من المؤكد يا صديقي أنك تتابع اعتقالات يهود للمقدسيين، بين يدي ذكرى انتفاضة الأقصى العاشرة.. فاليوم يعتقل عشرات وعشرات منهم أمام عيون كاميرات الدنيا، وعيون حقوق الإنسان والعدالة الدولية ومنها (لاهاي) فما تراك ستفعل؟؟ ومن المؤكد أنك رأيت الشيخ عكرمة صبري وهو مكبل تصادر حريته، ووجوده، وانتماؤه، لأنه مقدسي، ونبض قلبه يتسارع تسارع جريان دم غزة، ويتصاعد قلبه ليلحق بأرواح شهدائها.. من المؤكد أنك تيقنت من استجداء قادة (منا) ليهود أن اذبحوا غزة.. ترى هل تقريرك يتضمن أسماءهم؟ وهل تطالب بتقديمهم إلى (العدالة الدولية) ؟ وهل ستعتبر تلك المحاكم أولئك مجرمين خونة كما أسيادهم، أم أنهم مناضلون يسعون لتحرير غزة من الفاشيست الجدد (على رأي عباس) ممثلين بحماس وجند حماس؟
وهل سيستمع لتقريرك قضاة، أم سيضيقون بك ذرعاً، لأن أصحاب البيت المسروق يتنازلون عنه لمن سرقه!! للصوص!!؟ ورغم ذلك فلقد كان لموقفك الشجاع أثر رائع في نفوسنا، لقد قدمت لنا واجب العزاء، ورأينا لكلماتك دموعاً وعلى ألسنتها لوعة وآآآآه.. وحق لك أن تسألنا: إلى متى؟؟ لنقول لك إننا مذبوحون على كل حال، فإن قلنا لهم: لا ذبحنا، ولكنهم لن يذبحوا شرفنا وكرامتنا ورجولتنا، وإن قلنا لهم: نعم ذبحنا أيضاً، وذبحوا معنا شرفنا وكرامتنا ورجولتنا!! فلنذبح مع (لا) ولن نقول نعم.. هي أرضنا يا صديقي.. وهي شرفنا وعزنا وكرامتنا، هي مستقبل أجيالنا، ولك أن تنظر، فهل بقي من ظالم مستبد ومجرم أم كانت مصائر أولئك إلى زوال..؟ هي العلاقة الأبدية الأزلية ما بين الكف والمحرز، ما بين السيف والدم، ما بين الحياة والموت، بين الجلاد والمظلوم.. فلقد انتصر الكف وانتصر الدم وانتصرت الحياة وانتصر المظلوم.. فطبائع الاستبداد إلى زوال وفناء، انظر يا سيدي إلى ساق نبتة رفيع ضعيف وهزيل، ويخترق الجلاميد ولا تستعصى عليه فيقهرها.. فإن إرادة الحياة يا صديقي تقهر القتلة والمستبدين.. هذا إيماننا وعقيدتنا.. لسنا عدميين يا صديقي، ولسنا (كربلائيين)، نحن طلاب حياة.. ونحن لسنا أعداء لها.. إن غزة لفخورة يا صديقي بمواقفك، وتعلن براءتها من الخونة ومن الجبناء ومن الخوالف، إن غزة لفخورة بتقريرك، فإنه يكشف مظلوميتها للباحثين عن الحقيقة، وسيأتي يوم يكون لهم صوت مسموع، ولفعلهم فعل في القلوب، ولحركتهم ما يدفع عجلة الحياة.
إن غزة لفخورة بكل قطرة حبر آست جراحها، كتبت كلمة عن الحق المذبوح في غزة، وأبشرك بأنه لم يمت، ولن يموت.. نعم هو ينزف، ولكن النزيف ما أنفك أن يكون وقوداً للثورة على الطغيان والطواغيت.
إن غزة يا صديقي تسرج من دماء الشهداء قناديل التحرير والعودة، وأن قلبها يردد كل صرخة مقدسية، ورغم جراحها تقول: هأنذا.
لك يا صديقي تقديري
ولا نامت أعين الجبناء
