الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 04:03 ص

مقالات وآراء

شنه توفا

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

لم يكن صائب عريقات أول من هنأ(يهود) برأس السنة العبرية, ولكنه كان الأكثر اقتراباً من (إذا بليتم فاستتروا) فلقد كان الأول هو الزعيم الخالد ياسر عرفات الذي كان لديه الشجاعة والشطارة أن يهنئ صديقه وأخاه البطل والقائد الشجاع اسحق رابين والمجتمع اليهودي بهذه المناسبة التي غمرت القائد الفلسطيني بالسعادة, فقالها مهنئاً بالعبرية (شنه نوفا) ولست أدري إن كان عرفات يعرف شيئاً من العبرية أو أن بعض المقربين منه قد وضعها على لسانه، كما لست أدري إن كان هو عدنان ياسين أو محمد دحلان أو عبد العزيز شاهين, كنت آنئذٍ في المسلخ حيث التعذيب الرحيم (قياساً لما تفعله أجهزة الزعيم الراحل وأجهزة الزعيم الجاثم)في سجن (السرايا) بغزة على قادة حماس ومنهم المؤسسون, وكان الضابط (أبو حبيب) ضمن فريق المحققين الذين أوكلوا بتحطيم  صمود رجالات حماس في مثل هذه الأيام من سنة 1988, وقد بدأ اعتقالهم ليلة 17/9 من ذلك العام... فوجئت (بأبي حبيب) الذي يتحدث العربية الساخرة وبلهجة لئيمة راقصة يصرخ مراراً وبوتيرة تصاعدية منغمة (شنه نوفا)..(شنه نوفا) لنعلم السر فيما بعد أن أبا حبيب يردد تهنئة (زعيمنا الخالد) للشعب اليهودي برأس سنته العبرية وبالعبرية!! كان للعبارة وقع الخناجر في صدورنا .... يسلخنا يهود ويحرموننا من النوم لأيام وليالٍ، وزعيمنا يهنئهم شنه توفا!! حتى أن المجاهد عبد الفتاح دخان  قد أذاقوه الويل مع الحرمان من النوم والراحة لخمسة وعشرين يوماً متصلة غير منفصلة (والرجل اليوم على قيد الحياة وهو أكبر الأعضاء سناً في المجلس التشريعي) وأبو حبيب وبقية الطاقم( دكتور مايك, وأبو السعيد, أبو داود, جاك، والجاسوس فرج....) يعذبوننا بسادية دونها سادية (غوانتنامو) أو (أبو غريب) كان وقع التهنئة في نفوسنا وقع الإهانة على قلب حر غيور... ومضت الأيام ورأينا الزعيم ( الخالد) يذهب حافي القدمين عاري الرأس معزياً وعلى انفراد، وبعيد عن عيون الكاميرات أو هكذا تخيل, إلى ليئا رابين متسلحاً بكل عبارات الأسى والحزن و التفجع على موت رابين الشجاع البطل الوفي الأخ والصديق...حتى بحث كل حر من الشعب الفلسطيني عن حبة رمل ليتوارى بها خجلاً من هذه السياسة اللزجة, وهذه المناورة, وهذه السماحة والنسيان, والتنكر لدماء الشهداء ، فرابين من أشهر جنرالات يهود, فلا يذكر إلا ويذكر يادين, وايجال ألون وموشيه ديان, وبن غوريون, عيزرا فايتسمان, وجولدا مائير ... هو الذي ذبح أمهاتنا وأبناءنا ونهب أرضنا ودمر مساجدنا واحتل الأقصى. هو الذي اشمأز من مصافحة عرفات تلك المصافحة التي دخلت التاريخ بأنها الأشهر في القرن العشرين وكان كلينتون عرابها ومحمود عباس مهندسها وأحمد قريع وياسر عبد ربه حملة مباخرها ومشعوذيها... حتى قال بعض المتشائمين يومها (واضيعتاه يا فلسطين).... (مع الاعتذار لمحمد أبي شلباية صاحب كتاب واضيعتاه يا قدس) كرَم الصهاينة ياسر عرفات فمنحوه جائزة نوبل للسلام... وإن هي إلا أيام حتى يقتل ياسر عرفات وقيل بفيروس الإيدز, ويموت الرجل, وتموت معه أحلامه, وتواشيحه ومدائحه في أخيه البطل الشجاع الوفي رابين، ويأتي من بعد رابين رابينات ، وها هو نتنياهو آخرهم... كما جاء من بعد عرفات محمود عباس, الذي أتاح له القادة الصهاينة فرصة أعظم, فمن لقاء إلى لقاء ، ومن تفاوض إلى آخر ، ومن مؤتمر إلى مؤتمر... يستقبلونه في متر مربع ليغتصبوا الملايين في المقابل, يحظى بقبلة أو (بعُبُط) ليذبحوا عشرات في المقابل, حتى وصل عدد الشهداء ما يقرب من ثمانية آلاف شهيد, والجرحى مئة ألف أو يزيدون, منذ انتفاضة الأقصى إلى يومنا هذا, ومتى؟ في ذكرى السنة العبرية !! ويوم (كيبور) أي يوم(الغفران)والذي لم يشأ يهود أن يمر دون دماء فلسطينية على أرض الأقصى ، ودون اقتحام لباحاته؛ ليؤكدوا أن الأرض أرضهم ، وأن الأقصى هو أثر من اغتصابنا لها ، وشاهد على جريمتنا بحقهم، وحق هيكلهم ومعابدهم، إذن فلابد من نسفه إيذانا ببدء تدشينه على ارض الرب التي منحها لشعبه المختار ، وما هذه الاقتحامات إلا تجديد للعهد الذي قطعوه لربهم أن يزيلوا كل أثر لمحمد وبناته وبنيانه ... لقد طوى النسيان ( فعلة ) عرفات ، ولم تعد ترانيم أبي حبيب بشنه توفا العرفاتية بالتي تخطر على بال بعد هذه السنوات ، حتى جاء اليوم ، وبعد واحد وعشرين عاما بالتمام والكمال ، ذهبت فيها أجيال وجاءت أجيال ، ومات عرفات من بعد رابين ، وتقطعت أوصال الأرض ، وأمست كرقع في ثوت خلق ، واختنقت قرى فلسطين ومدنها بالطرق الالتفافية ، والحواجز والمستوطنات ، وخلب بريق الذهب عيون ساسة وقادة وزعامات، وابتلعت حيات يهود صفحات ميثاق الثوار ... ووقف عباس في مؤتمر فتح السادس لينعت دولة الكيان بالدولة (الجارة) ، وينعت جند حماس بالفاشيين والقتلة والمجرمين ، بينما يذوب وجدا في تخاريف (حل الدولتين) وطلاسمه ، ويحرد ثم يحرد ، ليأتي حكم من أهله وحكم من أهلها ، ليجمع الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا ... وعلى استحياء أو بغير استحياء يذهب ملبيا دعوة أوباما للقاء نتنياهو ، ولا زال يتمنع وهو الراغب في المصافحة ، لتكون له تاريخية توضع في ( السي في ) ، عساه يحظى بنوبل ، ولتذهب بعدها القضية إلى أحضان سالومي ، أو ليئا رابين .... ويأخذ إلى جانبه رئيس دائرة التفاوض ، كبير المفاوضين ؛ صائب عريقات ، الذي يجاري سيده الراحل ، فيهنئ شعب الله المختار ( شنه توفا ) وبالعبرية !! كما يجاري سيده الجاثم ، فلا يصافح نتنياهو وزمرته إلا من وراء حجاب ( على ذمة عبد القادر ياسين في قناة الساعة ليلة أمس ) ولكن للأسف ، فإن ،عيون الكاميرات الماكرة تحتفظ بصورة الما وراء حجاب ، وللأسف أيضا ، فأن آذان أجهزة التنصت الماكرة ما إن التقطت التهنئة حتى أذاعت بها كي لا تفوت المناسبة دون أن تصل إلى يهود ، وفي الوقت المناسب !! وفعلا لم يكذب يهود التهنئة ، فغمرتهم السعادة ، ولكن برؤية الدم الفلسطيني على بلاط الأقصى ، ورؤية الخزي والعار يجلل ما بقي من خلايا في وجوه المهنئين قبل أن تتحول إلى جلود صفيقة لا حياة فيها ولا حياء !! ولا نامت أعين الجبناء .