السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 04:56 م

مقالات وآراء

قصص البؤساء

حجم الخط
بقلم د. خالص جلبي
 
لم يدر بخلد الشاب ذي الثمانية عشر ربيعاً أن تلك الزيارة الخاطفة ستقرر مصيره· ففي بلد ثوري كان الشاب نعمان في خدمة العلم، فأرسل إلى منطقة حدودية مجاورة لبلد ثوري آخر·
 شعر الشاب أن قريبه الفار إلى البلد المجاور هي مسألة جغرافية، فليس أمامه سوى القفز بضع مئات من الأمتار الحدودية فيزور قريبه الذي افتقده طويلاً· كان قريب الشاب قد قام بفرار سياسي إلى ذلك البلد، ولكنه كان مثل من يهرب من المطر إلى ما تحت المزراب·
 
 احتفى بالشاب قريبه وعانقه وقال له: لقد أخطأت بما فعلت فأنت يا بني لا تعبر حدوداً ترابية ومسألة الحدود بين العربان هي أشد من القفز في أطواق النيران· كان الشاب (الطائش) قد قام بقفزة مكلفة جداً وهو يظن أنه يحسن صنعا فلم يفعل سوى زيارة قريبه·
 
ثم إن خال الشاب قال له ارجع بسرعة قبل أن يعلم الرفاق من هنا أو هناك بأمرك فيذيقونك العذاب الأليم· كان الشاب صيدا ثميناً لمخابرات الرفاق في القطرين المتجاورين، فهو خائن من جهة ومستودع معلومات للطرف الآخر؟ رجع الشاب بسرعة إلى حيث قطعته العسكرية بدون أن يعلم أحد إلا طيور السماء· وعندما قام بزيارة أهله أطلع والده على ما حصل معه فارتج الوالد رعباً واصطكت مفاصله وقال: يا بني لقد أخطأت مع الحزب والرفاق خطأ إداً تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً· ولقد أوقعتنا في ورطة كبرى لكل العائلة وليس أمامي إلا أن أختار أفضل الحلول إنقاذا لك ولنا ·
 
ثم إنه انطلق بابنه إلى رئيس فرع مخابرات المنطقة فأطلعه على الأمر وقال: إنه شاب لم يتجاوز 18 سنة، وقام بعمل طائش وأنتم أعلم بطيش الشباب وعدم إدراكهم لعواقب الأمور فأرجو النظر إلى الموضوع من هذا الجانب وها أنا والده أسلمه إليكم لترأفوا بحاله وحالنا جميعاً·
 
قال له رئيس الجلادين اطمئن واعتبر أن ولدك في منزلة ابني وهو في يد أمينة وهي ساعة من نهار نستجوبه ثم نرجعه إليكم مكرما معززا فينام في بيته مشكورا على الثقة التي أبداها للوطن والمسؤولين والحزب·
رجع الوالد إلى بيته وأخبر الزوجة والعيال أن المسألة قد انفرجت، ففرح الجميع وشعروا أن هماً ثقيلا انزاح عن صدورهم·
ولم يدر في خلد أحد أن الرحلة الفعلية قد بدأت لتوها؛ فلم يعد الشاب إلى فرشته تلك الليلة ولا التي بعدها·
 
ومرت الأيام والأشهر ولا أحد يعرف مصير الولد في أي فرع من المخابرات الجهنمية يعذب· ودامت الرحلة ثلاث سنوات وهو في عداد المفقودين بدون زيارة·
وعندما رجع الشاب إلى أهله لم يعد ذلك الشاب الضاحك المرح بل تحول إلى شيخ محطم· ولاحظ الأهل أن يديه أصبحتا مثل جلد السنجاب من أثر حرق السجائر ولسع الكهرباء فيهما· وكانت تحضره غيبوبة عند اجتماع الناس به·
وتستغرقه حالة ذهول مستمرة يحدق في الأفق البعيد· وعلاه صمت دائم، فلم ينطق حرفا أين سجن وماذا سئل وأي شيء تعرض له؟ ثم بدأت عوارض الجنون الخفيف تستولي عليه فيخرج هائماً على وجهه وقت السحر ويخرج بملابس صيفية في أعز وقت البرد·
 
واستمرت الحالة هكذا أشهراً طويلة وهو يرزح تحت صدمة لا فكاك منها ولا خلاص· حتى جاءت ليلة مخيفة فتوجه الشاب إلى بئر ارتوازية وهي من النوع المخروطي فتحته تتسع لإنسان ونهايته تضيق بعد مائة متر فقام بإجراء طقوس الموت فخلع نعليه ثم ألقى بنفسه في البئر فانحشر واقفاً ومات تدريجياً بنقص الأكسجين التدريجي في ميتة من أبشع الميتات·
 
اختفى الشاب وبحث الأهل عنه حتى عثروا عليه ودلوا بالحبال فلم يتمكنوا من انتزاعه، فمكث والده ثماني ساعات وهو يراقب حفر بئر موازية بأوسع وبجانب الأولى حتى وصلوا إلى مستوى جسم الشاب الميت فحفروا حفرة جانبية انتشلوا منها الجثة كاملة عبر هذا النفق حتى يتمكنوا من دفنه غير منقوص· وكان الوالد يبكي ويندب طول الوقت·
 
دفن الشاب بدون ذكر وبدون عزاء وبدون صلاة فقد انتحر· ومات مع كثير من العربان الذين يموتون مثل الجرذان·
والسؤال هل كان هذا الشاب فعلاً منتحراً؟ لقد أوصلت مخابرات العالم العربي المواطن إلى تلك الحافة التي يرى فيها أن ليس هناك في الحياة ما يستحق أن يعيش المرء من أجله وأفضل ما يفعله أن يقدم استقالته من الحياة ويستريح؟
 
هذه القصة رجاني أهل الميت أن أكتمها فهم دفنوا ولدهم ولكن القبر ما زال فاغر الفم لجثث جديدة.